متاريس السودانية
موقع إخباري شامل تتابعون فيه مستجدات اخبار السودان المحلية و العربية والعالمية على مدار الساعة

إبراهيم عثمان يكتب: التمكين الانتقالي

مما يجري الآن يمكن التنبؤ، بصورة تقريببة، بمآلات الأمور في المستقبل القريب.
فالنبوءة، إلى حد كبير، هي بنت الخبر .

الأخبار :
لدينا الحقائق التالية :
* تحت شعار تمكين الثورة ومحاربة “الدولة العميقة” تجري فصول أكبر عملية محاصصة تمكينية انتقالية يسارية في تاريخ السودان.
* يحدث هذا التمكين الإنتقالي في ظل تشجيع كبير من كتّاب اليسار وعلى راسهم اليساري المستجد الأستاذ عثمان ميرغني صاحب المقولة القديمة (والله العظيم وبكل يقين.. الحزب الشيوعي يستحق ثقة الشعب)، فهو يرى، كما جاء في أحد مقالاته الأخيرة، بأن هذه الأحزاب تتمتع بتفويض أقوى من التفويض الإنتخابي بمراحل، ولذلك عليها أن تمضي بخطوات أسرع وأعمق في تطبيق كامل مشروعها “الثوري” تطهيراً وتمكيناً وحظراً للمنافسين.
* هذا التمكين يستهدف خصوصاً قطاعات الشباب والتعليم العام والعالي والثقافة والإعلام من أجل امتلاك سلطة التوجيه .
* هذا التمكين الانتقالي لم يكن مفاجئاً وقد بشَّر به مقدماً كل من الشيوعي فاروق أبو عيسى وأمين عام المؤتمر السوداني خالد عمر “سلك”.
* الإثنان اعترفا صراحة بأن الإصرار على طول الفترة الإنتقالية دافعه رغبة أحزاب الفكة اليسارية في السيطرة على السلطة لأطول فترة ممكنة. وضمان الفوز بعد الفترة الانتقالية (لقناعتها بأن الانتخابات بعد فترة انتقالية قصيرة لن تأتي بها).
* استدامة التمكين الانتقالي اليساري لن تتحقق إلا بالفوز في الأنتخابات القادمة.
* المكون العسكري بالسلطة غير راضٍ عن السلوك التمكيني الشره للحزب الشيوعي الحاكم كما حذّر حميدتي كثيراً في فترة ما قبل اتفاق قسمة السلطة، وكما عبَّر شمس الدين الكباشي في مقابلته مع التيار، وتحدث عن شكواهم لحمدوك من التداخل بين “الحزب” والدولة فوعدهم خيراً، ويبدو أنه يعمل بعكس ما وعد .
* المكون اليساري بالسلطة غير مرتاح للشراكة مع المكون العسكري وينظر إليهم كمجرمي حرب كما تعبِّر بيانات الشيوعي وواجهته المهنية وكما عبَّر القيادي بقحت إبراهيم طه أيوب.
* القبول على مضض بالتعامل مع الدعم السريع كما ذكر إبراهيم طه أيوب سببه هو إيمانهم بقوة حميدتي وقدرته على إبعاد من لا يثق فيهم اليساريون، فقد ساومهم – حسب أيوب – على إقالة ثلاثة من أعضاء المجلس العسكري في مقابل فتح كوبري الحديد!
* التفاهم الدي يحكم الفترة الحالية عنوانه هو تقاسم السلطة، وتمكين أحزاب الفكة اليسارية في الوزارات المدنية، وتمكين المكون العسكري في القطاعات الأمنية، لكن كلا الطرفين متوجس من حجم تمكين الطرف الآخر.
* عسكريو السلطة لا يملكون رفاهية أن يكونوا في زهد سوار الذهب، ومدنيوها ليسوا في زهد ونزاهة الجزولي، وحتى إن كان العسكريون زاهدين فإن رغبة التمكين اليساري المحمومة ستجبرهم على ألا يكونوا كسوار الذهب، فالفترة الانتقالية هذه المرة مختلفة تماماً، والتصرف كسوار الذهب سيكون نوع من اللامسؤولية والدروشة.
* هناك تضاد بين التمكين الفكري اليساري الصارخ وتكبير الكوم الانتخابي. تكبير الكوم يلزم هذه الأحزاب بالإستمرار في منافقة وتبليد الرأي العام المحافظ للحفاظ على القاعدة الجديدة المخمومة حتى وقت الانتخابات.
* أحزاب الفكة اليسارية، خاصة الشيوعي والجمهوري والبعث، راغبة في الاستفادة القصوى من المتاح الآن، وهو التمكين الإنتقالي. حتى لو صاحب ذلك خسارة لجزء من الجمهور المخموم، وأن تترك أمر هندسة الانتخابات إلى وقت لاحق، على أن تكتفي في هذه المرحلة بالسعي لحل حزب المؤتمر الوطني، وتؤجل معالجة أمر الأحزاب الطائفية التي اعترف إبراهيم طه أيوب أنهم (كيساريين) لم يكونوا في حاجة إليها داخل قحت تماماً كعدم حاجتهم للمكون العسكري كشريك لليسار في السلطة.
* الأحزاب غير اليسارية
داخل قحْــت (كحزب الأمة) هي أحزاب هشة ومتسايرة وبلا شخصية، وقد ارتضت أن تكون على هامش الفترة الإنتقالية، ولا تنافس على التمكين الانتقالي للأفكار والكوادر.

النبوءات :
* نحن بالتأكيد مقبلون، بعد اكتمال فصول التمكين اليساري وبعد تعيين البرلمان، على هندسة كبيرة للاتتخابات بما يكفي لتحويل أحزاب الفكة اليسارية إلى أحزاب كبرى تكتسح الإنتخابات (حتى لا يحدث ما حدث بعد أكتوبر وإبريل )!
* هندسة الانتخابات لمصلحة اليسار قد تخلق إشكالات وصراعات بين المكون العسكري في السلطة ومدنييها، فمن الواضح أن المعادلة الدقيقة الحالية لا سبيل لإستدامتها إلى ما بعد الإنتخابات، إلا بصفقة لن يقبلها الحزب الشيوعي الحاكم، أعني معادلة تمكين ضباط المكون العسكري في القطاع الأمني مقابل تمكين الحزب الشيوعي وترلاته، لا سيما البعثيين والجمهوريين، في الوزارات المدنية.
* قياساً إلى ما سبق من حلول وسطى، فقد يتوافق عسكر السلطة ومدنييها على تطويل الفترة الإنتقالية، وهذا ليس مستبعداً إذا أخذنا في الإعتبار أن طول الفترة الإنتقالية قد تغير عدة مرات قبل توقيع وثيقة المحاصصة، وأن تعديل الوثيقة أمر في غاية السهولة وقد يحدث دون أن يعلم الناس من عدَّل ومتى وكيف. فقد تتلاقى مصلحة الطرفين على مد الفترة الإنتقالية. ولن يعدما الحجة، بل ولا يحتاجان إليها أصلاً، وقد يكون في هذا الحل مخرجاً مناسباً للطرفين، لأنه يؤجِّل مواجهة الشيوعي للبعبع الانتخابي، ويعفي العسكر مؤقتاً من مواجهة أخشن ومن المنافسة بطريقة غير مباشرة في الانتخابات.
* إذا لم تحدث متغيرات كبرى من المتوقع أن ترتفع وتيرة المواجهة بين المكون العسكري في السلطة والمكون اليساري بشكل كبير في أواخر النصف الأول من الفترة الإنتقالية حين تبدأ مفاوضات تولي أحد الشيوعيين رئاسة مجلس السيادة ليصبح بالتالي قائداً أعلى لكافة الأجهزة الأمنية، وهو ما يتيح للشيوعيين وترلاتهم تمكيناً عسكرياً قبل الانتخابات وبالتالي الإخلال بمعادلة التوازن الدقيق الحالية.
* سيحاول يساريو السيادي المحافظة على التوازن الدقيق الحالي لضمان وصول أحدهم إلى رئاسة السيادي بسهولة بعد نيل ثقة المكون العسكري، ولعل هذا هو ما بصنع التباين الحالي بين مواقف يساريي السيادي من الدعم السريع ومواقف الشيوعيين وواجهتهم المهنية وترلاتهم اليسارية. وخاصة مواقف الدكتورة عائشة موسى التي لن يلومها أحد إن خططت لأن تكون أول سيدة تتولى رئاسة السودان، خاصةً وأنها تملك عدة مؤهلات، المستوى التعليمي الرفيع، والتوجه اليساري الشيوعي (المعتدل)، وربما القبول من المكون العسكري.
* إذا تم التوصل إلى سلام شامل وأتت الحركات المتمردة، وشاركت في السلطة، فالراجح أن يكون لها مرشحها لرئاسة السيادي في الجزء الثاني من الفترة الانتقالية، والمؤكد أن هذا، إن حدث، سيعقد المشهد داخل قحت، وسيخلق إشكالات مع المكون العسكري بالسيادي.
* إذا تم التفاهم وتم العبور إلى الجزء الثاني من المرحلة الانتقالية، ولم يلجأ الطرفان إلى تطويلها، وجرت انتخابات حرة نزيهة، وفي موعدها وفي ظل حد أدنى من الهندسة اليسارية، وعبَّرت النتيجة إلى حد كبير عن الأوزان الحقيقية للأحزاب، فالمؤكد أن التمكين الإنتقالي للحزب الحاكم وترلاته من أحزاب الفكة اليسارية سيشكل معضلة كبيرة لحكّام ما بعد الإنتخابات، فالشيوعي لن يقبل بتفكيك دولته العميقة، وبقاءها سيشكل مهدداً كبيراً لإستقرار الحكم . وهذا ما عناه أبو عيسى وإبراهيم أيوب حين تحدثا عن عدم تكرار أخطاء أكتوبر وإبريل، أي عدم السماح بفوز الأحزاب غير اليسارية، وإن حدث ذلك، أن تتم مواجهته بدولة يسارية عميقة متجذرة ولا مفر من الاستسلام لها أو مواجهة العراقيل وربما “الثورة” اليسارية الخالصة.

التعليقات مغلقة.