متاريس السودانية
موقع إخباري شامل تتابعون فيه مستجدات اخبار السودان المحلية و العربية والعالمية على مدار الساعة

د. عمر كابو يكتب: حكومة في وضع الطيران

تحسست نظاراتي محركًا إياها قربًا و بعدًا من العين؛ وأنا أطالع بيان نعم بيان صادر من مجلس الوزراء .. نعم من مجلس الوزراء الذي يعلن انطلاق الاحتفالات بالثورة السلمية (والسلمية دي من عندهم وليست من عندي ) ولم ينس البيان الإشارة للتركيز على السلام من جهة كونه أولوية للحكومة الانتقالية (ده كلام البيان ).

نعم تحسست النظارة من دهشة وعجب؛ لأن حكومة حمدوك تريد أن تقيم احتفالات حاشدة تستمر أيامًا وليالي احتفالًا بالثورة، لكن ما لم يضعه مجلس الوزراء في حسبانه وهو يقرر قراره ويصدر بيانه هذا ما هو ردة فعل الرجل العادي من مواطني بلادي؟ وسؤاله الطبيعي (هي وينا الثورة ذاتها عشان تحتفلوا بيها؟! ) ولا السؤال الملح ما هي أهم الإنجازات التي يمكن تدوينها في كتاب الثورة بعد انتصارها ؟ وأين هي الوعود والشعارات البراقة التي من أجلها خرج الشباب وحملوا لواء التغيير؟ أسئلة كثيفة ربما تعدت العشرين سؤالًا عن الثورة التي تم اختطافها ووأد أحلام ثوارها.
تعالوا نفتح ملف الثورة بكل براءة بل بكل موضوعية ولننظر ما في جعبته من أنباء؛ فالنبأ الأول أن هذه الثورة خلفت قتلى وجرحى فض الاعتصام حتى هذه اللحظة لم يطلع الرأي العام على تفاصيل قتلهم، كل مافي الأمر أن هناك لجنة شكلت ثم أصدرت قراراتها والتي واجهت عاصفة من الانتقادات اضطرت الحكومة لتشكيل لجنة مضى عليها حتى الآن قرابة الشهرين ولا أحد يعرف شيئًا عنها وهو ذات ما ينطبق على مفقودي الاعتصام الذين لا يعرف لهم مكان حتى الآن.
والنبأ الثاني هو الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي جعلت الدولار يتصاعد لأكثر من ٣٣% بعد مجيء الثورة، أما الغلاء الطاحن والأسعار المرتفعة لكل السلع فقد أضحت السمة البارزة والصفة المميزة كذلك ومن مخلفات الثورة ناهيك عن فوضى السوق الذي لم يعد محكومًا بأي نوع من أنواع الرقابة والإشراف والمتابعة، وقطعًا التصريحات المستفزة التي صارت منهجًا متبعًا لمعظم وزراء حمدوك من شاكلة المريسة غذاء لأهل السودان والبحث عن عبدة الأوثان والأحجار والظهور في معارك مع القيادات المجتمعية (عبدالحي يوسف) وغيرها وغيرها كثير.
اللهم إلا إذا كانت حكومة حمدوك ترى أن تفاقم أزمة المواصلات و وقوف المواطنين بالساعات الطوال في انتظار الحافلات إنجازًا يستحق الاحتفاء، أو رأت أن نشر ثقافة العنف وبث خطاب الكراهية وممارسة سياسة الشيطنة والتنمر خطوة جريئة يجب أن تدمى الأكف لها تصفيقًا، أو ربما اعتقدت أن التضييق على السياسيين والزج بهم في المعتقلات دون مسوغ قانوني أو توجيه تهمة لما يزيد عن ثمانية أشهر شرف يجب أن تكرم من أجله، وربما تكون قد حسبت أن التنكر لدولة القانون وتنكيس رايته عمل عظيم يجب أن تمنح من أجله جائزة نوبل للسلام. أعتقد جازمًا أن هذه الحكومة لم تقدم لها ما يشفع لها بالبقاء يومًا واحدًا ؛فقد خلقت مناخًا لعدم الاستقرار السياسي، وعمقت الخلافات السياسية بين الأحزاب ، وهدمت جدار الثقة بين مكونات المجتمع ،وقضت على كل المشتركات التي كان يفترض أن يُبنى عليها مشروع التسوية السياسية مما جعل لسان الحال (قوموا لفوا بلا احتفالات بلا عوارة معاكم ).
للأسف أن التظاهرات التي عمت شورارع الخرطوم البارحة تشير إلى أن حكومة حمدوك في الإنعاش أو في وضع (الطيران).

التعليقات مغلقة.