متاريس السودانية
موقع إخباري شامل تتابعون فيه مستجدات اخبار السودان المحلية و العربية والعالمية على مدار الساعة

د.مزمل أبو القاسم يكتب: فاجعة بحري.. الدفاع بالنظر

*لا يكاد يمر علينا يوم من دون أن نطالع خبراً مفجعاً، يتحدث عن مصرع مواطنين نتيجةً حوادث مرورية موجعة، تقع توالياً في طرق المرور السريع، رديئة المواصفات، ضيقة المسارات، بعناق دموي بين الرائحين والغادين، في طرقاتٍ تخلو من أبسط اشتراطات الأمن والسلامة المرورية.

*كم مرة كتبنا في هذه المساحة مناشدين شرطة المرور أن لا تسمح بتفريغ تناكر الغاز والوقود في محطات الخدمة والمصانع أثناء ساعات النهار؟

*كم مرة ذكرنا أن كل الدول التي تحترم مواطنيها وتحرص على سلامتهم وأمنهم تفرض ضوابط صارمة على حركة تلك المركبات الملغومة، وتحظر سيرها أثناء النهار، وتلزمها بتفريغ حمولتها في ساعات متأخرة من الليل، بعد أن تهدأ الحركة وتقل السيارات المتحركة في الشوارع، لتقليص معدلات الخطر الناتجة عن اندلاع الحرائق؟

*سبق لأحد تلك التناكر أن شوى عدداً من المواطنين في قلب العاصمة نهاراً، عقب اصطدمه بسقف نفق الجامعة، مثلما تسبب انفجار تانكر آخر في قتل وحرق عدد من مواطني قرية فداسي، بعد أن تدافعوا للحصول على جزء من حمولته القاتلة، على مرأى ومسمع من بعض رجال الشرطة، بينما تسبب حريق ثالث في إصابة عدد من المواطنين في أم درمان قبل فترة.

*الكارثة المروعة التي حدثت في أحد مصانع السيراميك بمدينة الخرطوم بحري أمس تشير إلى إهمال مريع، بدأ بالسماح لتانكر مملوء بالغاز بتفريغ حمولته نهاراً، وامتد إلى تلكؤ شرطة الدفاع المدني في الوصول إلى مكان الحادث، حيث أكد مدير المصنع المنكوب أن أول عربة إطفاء وصلتهم بعد مرور تسعين دقيقة من لحظة اندلاع الحريق المروع.

*انتقدنا من قبل النهج المتخلف، والطريقة القبيحة التي تتم بها مراجعة اشتراطات الأمن والسلامة بواسطة شرطة الدفاع المدني، وذكرنا أن تلك الإدارة حولت ضباطها وبعض أفرادها من (حُماة) إلى (جُباة)، لأنها تهتم بفرض الرسوم وجمع الأموال أكثر من اهتمامها بإلزام المؤسسات التي تراجعها بتوفير مستلزمات السلامة.

*من يستجيب للتفتيش الصوري الذي تجريه قوات الدفاع المدني، ويدفع (المعلوم) لجُباةٍ يرتدون (الكاكي) لا يتم التدقيق معه في نواقص السلامة، ولا يحاسب على عدم التزامه بتوفيرها، لأن الدفاع المدني يتم في بلادنا (بالنظر).

*تغير النظام ولم تتغير العقلية المتخلفة التي تحكم الدولة، لأنها ما زالت معتقلة في محطة الجبايات، سعياً إلى تمويل نشاط الدولة من جيب المواطن المسكين.

*حديث مسؤولي الدفاع المدني عن وصول (14) سيارة إطفاء إلى موقع الحادث لا قيمة له، ولا يدل على أي اهتمام بإغاثة المنكوبين الذين تعرضوا لحريق مروع شواهم أحياء، لأن سيارات الإطفاء غالباً ما تصل بعد خراب مالطا، وتضطر إلى العودة من حيث أتت لملء خزاناتها بالمياه، بسبب عدم توافر مواسير المياه المخصصة لتعبئتها في معظم المنشآت الصناعية بالسودان.

*كانت تلك الصنابير متوافرة في كل شوارع الخرطوم الرئيسية في ستينيات القرن المنصرم، وتمت إزالتها تدريجياً، ولم تهتم شرطة الدفاع المدني ولا محليات العاصمة بتوفيرها لضمان استخدامها عند الحاجة.

*نعيد ونكرر: عمل قوات الدفاع المدني يتصل (بالوقاية) لا (الجباية)، والحادثة المروعة التي وقعت أمس ينبغي أن تصبح مدخلاً لتغيير النهج القاصر الذي يتبع في مراجعة وتدقيق شروط الأمن والسلامة في المرافق العامة والخاصة، لضمان عدم تكرار فواجع مؤلمة، وكوارث مروعة، تطير لها الرؤوس، وتتعدد بسببها الاستقالات في كل مكان، ما خلا سودان الإهمال، الذي يموت فيه الناس لأتفه الأسباب.

التعليقات مغلقة.