متاريس السودانية
موقع إخباري شامل تتابعون فيه مستجدات اخبار السودان المحلية و العربية والعالمية على مدار الساعة

يومٌ شاق ومقطع دوبيت

بقلم: صبري محمد علي (العيكورة)

يقال ان من يرى مُعناة الآخرين تهون عيه مُعاناته . بالامس كان يوم عمل شاق منذ الساعة التاسعة صباحً وحتى السادسة مساء لم افارق مقود السيارة الا لصلاتي الظهر والعصر ترافقنى بعض قوارير المياه. كان عليّ ان أهبط عقبة الملك فهد بانفاقها الخمسة وعشرين التى تربط بين مدينة الباحة ومحافظة المخواة بالمملكة العربية السعودية منعطفات رأسية وافقيه اعتدنا القيادة عبرها منذ عقود.

اصطحبت زميلي المهندس يوسف ومساح المشروع ابن الاسكندرية محمد صابر عبرنا الطريق الرابط بين مدينتي قلوة والمخواة يظللنا صمت إلا من بعض مداخلات وعبارات فنية عن الطرق نتحدث عن الممكن واللا ممكن مع تضاريس المنطقة الجبلية القاسيه أرفع رجلي عن تحكم البنزين كلما دخلنا منعطف أو لاح لنا جهاز رصد آلي للسرعات الزائدة واضعها مره اخرى عندما تستوي السيارة على بساط الاسفلت.

صعدنا عقبة آخرى ونزلناها هى الاكثر عناداً وخطورة فما اكثر من (راحوا) بسبب سخانة الفرامل وفقد السيطرة. انهينا المهمة الاولي ولا اريد ان ادخل فى تفاصيل فنية قد لا تهم القارئ كثيراً.

ثم موقع آخر نعم أقل خطورة ولكن ما زالت السيارة تتهادي اعلى من ظهور النسور! نعم عزيزي القارئ فالمعتاد ان ينظر الناس الى بطون النسور والصقور وهى تحلق فى السماء ولكن ان تنظر للنسر من علً فهذا امر مخيف.

ودعت زميلي بعد ان انهينا المهمة قبيل صلاة العصر ثم صعدت عقبة الملك فهد مرة اخرى منفرداً الى الباحة حيث المكاتب والمأوي. والناس تخرج من المساجد كنت اطفئ محرك السيارة امام المكتب بعيد صلاة العصر.

صليت العصر فرداً فأسال الله ان يتجاوز ويغفر ثم دخلت السوق لشراء بعض حاجيات المنزل فقد اعتدت من (أم حماميزو) جملة حصرية عبر الواتساب (جيب معاك وانت جاي ….) يلزمنا الصبر غايتو!.

أدلفت باب المنزل ولا تكاد تحملني قدماي و(انا والجوع والمساء) فمن صباح الرحمن تتعارك مصاريني على شاي اللبن.

انتظرت اعداد الغداء وانا على أحر من الجمر! جمر شنو يا دي جهنم عديييل عندما داعبت رائحة الطعام بطناً جائعة غايتو تموا المنظر براكم. تصفحت الموبايل بعد (الأباليس رقدوا وكده).

وهنا ساق لى الحاج (واتساب بن قوقل) مقطع دوبيت لسوداني ينم بصوت شجي وخلفه جمال فى شبك وتمتد خلفها صحراء منبسطة فأدركت انني لست وحدي الذي يعاني فى بلاد الاغتراب فكل الناس كذلك ولكن منهم من يعرف (يرص الكلام) ويعكس معاناته ومنهم من (يسردب) ويتدثر بـ(من اجل ابنائي) وخلاس.

فتعالوا نقف على وصف هذا الشاب السوداني لحاله فقال بعد ان (نمّة) بصوت شجي بكلمة (الليل) ومد الياء طويلاً :

اللييييييل …..
الله لى وحدة الخيمة والونسة وقُعاد الرادي

يا ربي الكريم تجود على الناس البسكنو بوادي

قاعدين جتّه بي جاي والقلب بي غادي.

الليييل …..

يا الله … الشيخ حسن تلفانا

ما نحن اغتربنا وقُلنا الله ادانا

الوقعنا فى (بدو) وحالتم تعبانا

بالنهار سرحة وبالليل حُمي ومعاها سخانا

والله العظيم يا اخواني العيون من السهر تعبانا

والاكل جمرية وعلى موية الجركانا.

سمعته عدة مرات توصيف رائع بصوت كله أشواق وحنين يبثه لأهله بالوطن.

قبل ما انسي : ــ

هل يمكن لحكومتنا ان تضمن الحد الادني من الحقوق لأصحاب المهن البسيطة بدول الاغتراب كأمثال هؤلاء عبر بنود واضحة تضمن كرامة المأوي والطعام والعلاج قبل السماح لهم بالسفر كما تفعل دولة (الفلبين) مع رعاياها! وهل من جولات لسفاراتنا بدول الاغتراب لتفقد شريحة الرعاة وما اكثرهم.

نعم المعايش جبارة ولكن يجب ان لا يفنى انسان السودان ليعيش الحيوان.

* خاص بـ(متاريس)

الاربعاء ١٨/ اغسطس ٢٠٢١ م

التعليقات مغلقة.