هل يكره الشعب السوداني الكيزان؟ أم هي ثقافة سياسيّة؟ 

بقلم: علي جعفر

ثورة الانقاذ الوطني المدعومة بالكيزان، كغيرها من الثورات التي تعاقبت على الدولة السودانيّة، تحمل في صفحاتها التاريخيّة، ما هو أسود وما هو أبيض، وتفوقت على ثورة مايو بأنّها أكثر قوةً وأطول عمراً، فقد تمكنت من حكم السودان طيلة ثلاثون عاماً، تنوعت عبرها سياساتها المختلفة، مع إشراك بصورة واسعة في الحكم لمختلف القوى السياسيّة الموجودة بالبلاد، كما أنّها عقدت اتفاقيات كثيرة مع حركات مسلحة تمكّنت عبرها من إنهاء المعارضة المٌسلّحة في بعض أجزاء البلاد.

فمن يصف 30 عاماً بالفشل الكامل ويُغيّب أي نجاح بهذه الفترة، لا شك أنّه ينظر للأمور بعين الحزبيّة الضيّقة، والتعصب السياسي الأعمى، وهذا هو ما أضاع السودان طيلة فترات الحكم المتعاقبة عليه، فكلّما تأتي ثورة أو ديمقراطيّة تلغي فوراً مجهودات سابقيها، لتبدأ من صفحة جديدة.

الخطاب السياسي العدائي ضد حكومة الكيزان، والذي انتهجته قوى الحريّة والتغيير ومناصريها، هو من تسبب في شتول هذه الكراهيّة الوهميّة، التي ظهرت واضحة في هتافات صبيّة صغار السن تتراوح أعمارهم بين ال12 وال18 خرجوا في المسيرات والمظاهرات.. بهتافات وشعارات تمّ تلقينهم لها لنشر هذه الكراهية بين الأوساط السودانيّة.

كاذب من يدّعي فشل حكومة ثورة الانقاذ الوطني والكيزان في تنظيم أجهزة الدولة وتنظيم الحكم وهيكلة السلطات الثلاث بها، من سلطة تشريعيّة وتنفيذيّة وقضائيّة.. وتنظيم لصلاحياتها وتخصصاتها.

وكاذب من يدّعي استبداد حكومة البشير دستوريّاً، فحتى فكرة تعديل الدستور التي كانت ستأتي برئيس الجمهورية في دورة ثالثة، تمّت معارضتها بقوّة وكانت سبباً في سقوط حكمه النهائي، والتطورات التشريعيّة التي شهدتها دولة السودان في عهد حكومة الكيزان وثورة الانقاذ الوطني لا ينكرها إلّا مُكابر ذو أجندة سياسيّة عدائية.

فقد تدرجت حكومة البشير منذ سنوات ثورتها الخمس الأُولى بإصدار حوالي 18 من المراسيم الجمهوريّة، تعلّقت معظمها بتنظيم أجهزة حكم الدولة وتكوين البرلمان الوطني الانتقالي وتحديد السلطات والصلاحيات، ثمّ أصبحت هذه المراسيم هي النواة التي بنت عليها الحكومة دستور 1998م، والذي قد يُعتبر ناجحاً بكثير عن دستور السودان الدائم لسنة 1973 في عهد حكومة نميري.. الى أن تمكنت حكومة الكيزان من إصدار دستور السودان لسنة 2005م والذي يشهد بمتانته الكثير من علماء الدساتير والقوانين، وكيف استطاع هذا الدستور توفيق أوضاع جميع السودانيين شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً.

38 جامعة حكوميّة، و19 جامعة خاصة وقرابة ال100 كلّية خاصة، ومعظم طلاب الثانويات صاروا يدرسون بالجامعات، بعد أن كانت الفرص أندر ماتكون، كل هذه الجامعات وداخلياتها بكل مبانيها وبنيتها التحتيّة والفوقيّة، تمّ تأسيسها عبر ثورة التعليم العالي.. التي انطلقت في 1989م مع بدايات عمر الثورة.

وخير مثال لهذه الجامعات.. جامعة السلام بولاية غرب كردفان، وادارتها توجد بالفولة.. وكلياتها موزعة في عدة مدن مثل لقاوة وبابنوسة والمجلد والدبب والعباسية.

الخطأ الكبير الذي وقعت فيه حكومة الكيزان وثورة الانقاذ الوطني، هو الظلم، الظلم الذي يُغضب الله عزوجل من فوق سبع سماوات وقد حرّمه الله على نفسه، والله ينصر الدولة الكافرة ان كانت عادلة ولا ينصر الدولة المسلمة الظالمة.. وهذا ما جعل حكومة الكيزان وثورة الانقاذ الوطني تسقط غير مأسوفٍ عليها.

تمثّل هذا الظلم، في ظلم الخدمة المدنيّة، بالتمكينات الحزبيّة، وتسيس القضاء، وأدلجة القوات النظاميّة، وتدخلاتهم السياسيّة في ادارات مرافق الدولة، فأفقدوها تخصصاتها الاداريّة وصارت مطيّة في أيدي السياسيين، هذا بخلاف شركاتهم الوسيطة التي قضوا بها على كل ملامح المؤسسيّة بالبلاد، زادنا والصافات والتصنيع الحربي.. فأصبح الوطن وكأنّه اقطاعيّة خاصة بالكيزان، فأصبحوا هم الأوصياء عليه وباقي الشعب السوداني لا شئ، يجودون عليه بما يُريدون، ويمنعون عنه ما يُريدون.

وصنعوا الرأسماليّة الطفيليّة، وأصبح حزب المؤتمر الوطني قبلة لكل فاسد ومنتهز الفرص، ومتسلق، فظهر وزراء ليسوا بقامات المناصب، ومعظمهم لصوص وحراميّة، استباحوا المال العام، وهذا ما أورث في بعض النفوس الضعيفة كراهيّة وأحقاد وانتقام.. ضد الكيزان.

لا أحد يطالب حكومة حمدوك بإنجازات سريعة، وبحلول مستحيلة، ولكن هم مطالبون بالصدق والشفافيّة مع المواطن السوداني، والاهتمام بقضاياه المصيريّة أكثر من النزاعات الحزبيّة التي لن تُجدي نفعاً.

تذهب الثورات تباعاً.. وتبقي الثورة الناجحة هي التي تهتم بشعبها وليس بمنافسيها.

التعليقات مغلقة.