أجر الأستاذ الجامعي الشهري

بقلم: علي جعفر / استاذ التشريح بكلية الطب – جامعة كسلا

مما هو معلوم فإنّ أي زيادات في الأجور مع الميزانيات الجديدة، تصحبها زيادات عاليّة في الأسعار وفي مختلف التعاملات الأخرى، كايجار السكن، والنقل والترحيل وتكاليف العلاج.. وغيرها.

هذا بخلاف النثريات الاعاشيّة الأخرى، التي ستجعل من أعلى راتب للأستاذ الجامعي أشبه بمنح طفل ورقة واحدة من فئة الخمسين جنيه، ليشتري بها كتب وألوان وكراسات رسم وألعاب، فذهب لموقع للسوق ليشتري ما يُريد، وتفاجأ بأن المبلغ الذي معه لا يكفيه لشراء لعبة واحدة وثمنها 150 جنيهاً، ناهيك عن باقي احتياجاته.

وضعت الزيادات مرتب الأستاذ الجامعي في قمة الهرم الهيكلي للأجور، بمبلغ خمسين ألف جنيه كأعلى راتب بالجامعة، ومع أبسط العمليات الحسابيّة، لأستاذ جامعي فإنّ هذا المبلغ، لن يكفيه في ظل التضخم الكبير للجنيه السوداني، مع العلم أن أقلّ قيمة لايجار سكن أسرة أستاذ جامعي تتكون من أربعة أو ثلاثة أفراد لا يقل عن مبلغ 15 الف جنيه، هذا بخلاف بنود الصرف الحياتيّة الأخرى.. فكيف بالأساتذة الجامعيين الذي هم أدنى درجة وظيفيّة من البروفيسور.. ومرتباتهم قد لا تتجاوز الثلاثين ألف جنيه..!!

الانجاز الأكبر الذي حققه أساتذة الجامعات والمجهودات التي بذلوها عبر لجنة تنفيذ مطالب الهيكل الراتبي المجاز لأساتذة الجامعات بالسودان، كان هو اخراج الأستاذ الجامعي من الخدمة المدنيّة، فأصبحت بهذه هيئة التعليم الجامعي مثلها ومثل هيئات وزارة العدل والقضائية كجهات مختصة مهنيّاً، وقد كان موضوع الموافقة على اخراج الأستاذ الجامعي من هيكل الخدمة العامة قانونيّاً ودستورياً ومجازاً من الجهات الرسميّة وكان ذلك بعد أن تمّ رفع هذا الأمر عبر توصيات الورشة التي أقيمت بالمجلس الوطني في عام 2014م، حول تداعيات هجرة الأساتذة الجامعيين خارج الوطن وتأثيراتها على جودة التعليم العالي بالبلاد.

يبدو أن حكومة حمدوك ستضع نفسها في مواجهة شرسة مع أساتذة الجامعات في حالة الغاء القرار القانوني باخراج الأساتذة الجامعيين من الخدمة العامة.. والتركيز على منحهم التعديلات التي ذُكرت، والتي قد لا تُرضي تطلعات هيئة التدريس الجامعي في ظل تضخم الجنيه السوداني الذي وصل لأعلى درجاته.

وضع الأستاذ الجامعي في أعلى الهيكل الراتبي الجديد دون تنفيذ استقلال هيئة التدريس عن الخدمة العامّة لن يكون مغريّاً للأساتذة الجامعيين بتخصصاتهم العلميّة المختلفة لاستقرارهم وايقاف نزيف الخبرات الوطنيّة عبر الاغتراب للعمل خارج الوطن، فبهذه الزيادات التي أُعلن عنها، صار أعلى أجر شهري للأستاذ الجامعي هو مبلغ 345 دولار (هذا في حالة ثبوت سعر الدولار في 145 جنيه) بدلاً عن 60 دولار في الهيكل الراتبي المُجاز والذي يطالب الأساتذة بتنفيذه من تاريخ اجازته في ابريل 2019م، مع العلم أنّ معظم الدول التي حولنا، حتى الدول الإفريقية التي لا يختلف حالها الاقتصادي كثيراً عن السودان، فإن أدنى مرتب للأستاذ الجامعي هو ألف دولار وأعلاه ما بين خمسة الى سبعة آلاف دولار، لذلك لن تفلح هذه الزيادات التي تمّ الاعلان عنها في اضافة أي تحسينات على حياة الأساتذة الجامعيين بالسودان.

استقرار الأستاذ الجامعي لا يكون الا عبر سياسة “إجار المثل” المتبعة في القضايا القانونيّة المتعلقة بالسكن والعقارات، يجب أن يتمّ التعامل مع الأساتذة الجامعيين باعتبار أوضاعهم في الدول الأخرى.. وبمساواتهم بوزارة العدل والهيئة القضائيّة في الخدمة العامّة، فالأساتذة الجامعيين مازالوا لا يمتلكون منازل عبر الخطط السكنيّة ولا يتلقون علاجهم عبر التأمينات العلاجيّة الخاصة بهم.

ويبقى السؤال المهم: هل سيتم الاعتراف بقرار اخراج هيئة التدريس الجامعي من الخدمة العامة.. أم ستُغري هذه الزيادات أساتذة الجامعات، وتعود “حليمة لعادتا القديمة”..؟!

*تابعونا،،،،*

*#علي_جعفر*

التعليقات مغلقة.