الطيب عبدالماجد يكتب: جمهورية «اعتصامستان»

في ذكرى الاجتياح .. 3 يونيو 2020م
ماحدث في السودان هو لعمري تاريخ ستذكره الأجيال، إنها البسالة عندما تتوهج !! والوعي عندنا يلامس سماء الإدراك والروح عندما تسمو محلقة، وسالوا يومها مشفقين ومن يكون البديل ؟ البديل هو شعب إنتفض وثار بحثا عن حرية وعدالة وبعض سلام، وحنين لوطن كان .
وقفت أمامه ترسانة تجاوزت حد المعقول وأفرطت في ردة الفعل علها تطفيء لهيب ثورة (شبت) !! لكن (تناكر) سياراتها رباعية الدفع كانت تسرب الوقود في كل(غزوة) فتزيد النار إشتعالا .
ليتساقط شهداء النور ويرصفوا بدمائهم الذكيه طريق الحرية، والذي دشن المرحلة الأولي بوصوله الي خطوط تماس القيادة العامة للجيش وقتها، لتنيخ زاملة الثوار راحلها الي جوار القيادة مكتملة الأركان وتعلن البقاء حتي تحقيق الرجاء.!!
وكانت أرض الإعتصام باذخة كما الأحلام.!! مشاهد أسطورية في هذا المكان الرمز الذي وحد السودان وجمع أطيافه في (لوحة) ناصعة، فكان الطوفان من الحب والتوادد، عندما يلامس الإيثار والخصاصة السقف ويتجاوز المعقول..!!
وكيف استطاع السودانيون ان يستعيدوا بريق أرواحهم المتوهجة في هذا المكان (الجسور) بعد أن علق بها صدي الظلم والإقصاء…!! وصرنا لانري بعضنا البعض، إلا لماما، نتقاطع في طرقات الحياة القاسية ودروبها الشاقة، وكل في فلك يسبحون.، حتي اتيحت فرصة تلاق نادر صريح علي وقع استعادة وطن جريح، فكان لقاء الكبار في جمهورية (إعتصامستان).
لتسطر في هذا المكان ملحمة أسطورية جديدة من ملاحم النضال التي سيظل يذكرها التاريخ وتحكيها الأجيال وقد أكد من خلاله السودانيون عظمتهم
وبصموا علي تفردهم في أعظم إرتكاز بشري في التاريخ الحديث.. !!!
وصلت فيه القيم الإنسانية الي الذروة ولاحت أنوار الصباح، وعلت الروح الوطنية الى أفق السمو وتماس الفلاح، وتجلت النزعة الثورية حد التحليق والكفاح… فكان المكان مزاراً للعالمين وقبلة للثوار، ورمزا للأمل والنجاح!!
غنى علي مسرحه (ماو) وحلقت فوقه أطيار النفق الجمهوري وتجول فيه (برعي) السعيد، ليخرج كل سوداني أغلي ماعنده من كنوز يقدمها في خصاصة وإيثار بروح سودانية كاملة الوسامة، عالية المزاج !!فرأينا عجبا عجاب، عندنا تلامس الروح السحاب وكنا داخل روضة مافيش حد سوانا..!!
والشاي بي جاي
ولو عندك خت ماعندك شيل.!!
وكلنا ختينا..!!
لكنهم اختارو الثانية …!! ولبئس المصير.
شباب كسنابل القمح يطوفون المكان ليقدموا خدماتهم للحشد المهيب، وكل شي تتخيله اقترن ب (مان)، هنا في هذا المكان، راكبين (راس) أمام الضرب والبمبان، ويشيلوك في ذات (الراس) وأنت هنا في ساحة الميدان..!!
كل شخص هنا يشعر بالآخر قبل نفسه، وكل يريد أن يقدم شيئا، حتي لو ابتسامة خاطفة عفيفة وسط هذه الأجواء المشحونة، علها تسرب لك شيئا من الدفء وترفع بعضا من روحك المتوثبة…!!!
(كنداكات) كشعاع النور يتلفحن الثوب والشموخ والثبات، ويستعدن الثقة والوهج بعد أن كانت تلاحقهن سياط النظام العام ونظرات البائسين فتجلين في ساحات (الجمهورية) بكامل زينتهن والبهاء، من الجسارة والحضارة والعفاف!!
وشباب الثورة ملحها وبهارها لايهمم ماذا يلبسون فالحصة وطن لكنهم يتدثرون الوعي والحيوية والنضال.
وأمهات الثورة جن بي شلوخن وتيابن وعزهن يضربن الأرض فتخرج (أزهارها)، ويمنحن المكان عطرا إنسانيا لايزول ويهبن (الساكنين) هناك على ضفاف القيادة طمأنينة وسحرا وحنان !!!.
وقد جاء اخواننا (الأقباط) وهم يظللون المصلين في صلاة الجمعة في مشهد يبحث عنه كل العالم ويدفع من أجله المليارات لينعم بالسلام، لكنه يوزع عندنا هنا بالمجان !!! وبالناس المسرة وعلي الأرض السلام.
المشهد كله كان عصي علي السرد تتعثر أمامه الحروف ويبقي مزيجا من الشهد والدموع، ولمن يسأل مشفقا، فهؤلاء هم البديل، فقد أقاموا نموذجا لدولتهم ودولتنا القادمة، ورغم كل ماجرى فهم لازالوا الرهان !!.
وتمر اليوم ذكرى عام على فضه المخزي وقد حلق فيها فوج من الشهداء قدموا أرواحهم الغالية من أجل ما نعيشه الآن، ليبقى أقل ما يمكن فعله تجاههم هو المطالبة بحقهم والقصاص على من سلبهم الروح والوطن، فهم أكرم منا جميعا، لهم المجد والخلود وللوطن الفخار.