الزيدابي يكتب: المصريون

منذ حوالي 5 سنوات ماضية غادرت السودان متجها الى السعودية للعمل في احدى الصحف الإلكترونية، وبرغم ان الراتب والمميزات الاخرى كانت ضعيفة ولاتلبى طموحي، الا انني وافقت على العرض المقدم كونه يحقق لي حلمي المتمثل في أداء فريضة الحج وزيارة مدينة المصطفى عليه الصلاة والسلام، فضلا عن إكتساب خبرات عملية جديدة من خلال أساتذة عرب في مجال الصحافة.
بعد أيام قليلة من مباشرتي العمل، فوجئت بأحدهم – ليس بيننا سابق معرفة – يحذرني من التعامل مع المصريين في أي شئ! هكذا بصورة معممة، ولانني لست من أصحاب (القيل والقال) وإطلاق الأحكام المسبقة على الأشخاص، لم التفت إلى حديثه (السخيف) بالطبع حيث سافرت بعدها مع زميل مصري للمدينة ثم مكة فكان نعم الأخ الذي لم تلده أمي، وكان لايذكر إسمى دون أن يسبقه بلقب (أستاذ).
في العمل كانت كل الوظائف التحريرية العليا يشغلها الأخوة المصريين، ولأن خبراتي العملية كانت في الصحف الورقية فقد عانيت في بداياتي من صعوبات في العمل، فكانوا الشباب المصريين – كلهم – خير سند لي ، بل أن بعضهم كان عندما يصله عملي التحريري عبر البريد وفيه أخطاء، يرسل رسالة مهذبة جدا من بريده الخاص يصحح فيها الخطأ، بل ويلتمس لي العذر في مقدمتها.
فيما يخص الحياة العادية، فقد كنت أتشارك مع هؤلاء الأحباب المصريين في السكن، وتناول الطعام، والخروج للتسوق او التنزه، قبل إن تدور عجلة الزمن فيغادر البعض ليبحث عن فرص عمل أخرى، بينما بقى الآخرون لمواصلة مسيرتهم بالسعودية، وحتى الآن لم تنقطع علاقتي معهم حيث التقى في الفيس بوك مع البعيدين ونعرف أخبار بعضنا البعض.
في الرياض تعرفت عن قرب بأكثر من 30 أخا وزميلا مصريا سواء كان في مجال العمل او مشاركة في السكن او مرافقة في الحج او صديقا بشركات مجاورة، ووجدتهم كلهم قمة في الأدب والكرم والتهذيب والشهامة، متمنيا منهم أن يعذروني لعدم ذكر أسماؤهم، ولكنني أثق بأنهم يعرفون أنفسهم خصوصا زملاء العمل، وبالتأكيد يشعرون بما أكنه لهم من حب وتقدير وإحترام، ولهم الفضل بعد الله تعالى في تعلمي مهارات الصحافة الإلكترونية.
للأسف أن بعض السودانيين لايحبون المصريين ويتجنبون التعامل معهم، بسبب عُقد قديمة ومترسبة في نفوسهم أحد أسبابها منهج “التاريخ” الذي كان ومازال يدرس في مدارسنا، بالإضافة إلى الإعلام الرسمي السوداني الذي كان يستقطع لقطات من الأفلام المصرية “الجريئة” ويبثها أثناء الخلافات بين الحكومتين كأنها الحياة العادية للإنسان المصري، وفي الجانب الآخر تتفنن الدراما المصرية في السخرية من السوداني، ويستهزاء به الإعلام الرسمي المصري.
أتمنى ان يتم الإلتفات إلى منهج “التاريخ” الذي يغذي الأجيال الناشئة بتلك المعلومات المسمومة، وأن يعي الشعبين السوداني والمصري خبث السياسة وأن لايسمحا لأي نظام بهدم العلاقات الطيبة بينهما، فالسوداني عندما يريد العلاج او التجارة او المعيشة فإنه يذهب إلى مصر كخيار أول، والمصري عندما يريد الأمان او العمل او الدراسة فإنه يحضر للسودان، فنحن نحبهم وهم يحبوننا ماعدا قلة من الجانبين والذين ينطبق عليهم الدعاء القائل “اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا”.

التعليقات مغلقة.