يا ليت الذي بيننا وبين الإمارة بعد المشرقين

بقلم: د.ربيع عبدالعاطي
يهفو أغلب الناس إن لم يكن جميعهم إلى وضع مرموق في الحياة ومكانة اجتماعية وثروة تتبعها سلطة، ويبدو ذلك جلياً عندما نسأل أطفالنا وهم صغار، ماذا يتمنى أحدكم أن يكون؟ فمنهم من يقول آمل أن أصبح وزيراً أو مهندساً، أو طبيباً، والبعض قد تشطح به أمنياته، ليصبح حاكماً آمراً وناهياً.
والطموح مهما كان فهو من الأمور المشروعة، بحسبان أن المرء في هذه الدنيا، بالرغم من أنها فانية كما يقول الشاعر:
يا عابد الدنيا الدنية إنها شرك الردى وقرارة الأكدار
دار متى ما أضحكت في يومها أبكت غداً تباً لها من دار
غير أن الأمل فيها لا ينقطع، ولو كان الحال كذلك لانتظر الكل يوم موتهم، فقعدوا عن العمل وسرحوا مع الشيطان، بلا زرع يثمر، ولا بناية تشاد، ولا غرفة يزينها أثاث.
ولكن أمة الإسلام تعمل وفقاً للأثر القائل بأن نعمل لدنيانا كأننا نعيش أبداً، و نعمل لآخرتنا كأننا نموت غداً، كما أن الحديث الشريف يدعونا لبذر البذور ووضع الفسيلة بغرض نموها، حتى وإن كنا نعلم علم اليقين بأن الساعة قد أزفت، والقيامة قد بدأت تقوم.
والشقي هو الذي يسعى لغرض لا يملك المقومات اللازمة لتحقيقه، كما أن غيرالعاقل هو الذي يرعى غنم إبليس ويحلم بغير الممكن، وصدق القائل: بأن من طلب الامارة سلطها الله عليه، ومن أتت إليه بإذن من الله وقدر من أقداره أعانه المولى عز وجل عليها، فهي خزي وندامة إن لم تعط حقها ومستحقها، لمن يتولى شأن الناس بموجبها.
ومن القواعد التي ينبغي إعتمادها، ونحن نقدم على تولية شخص على أمر ما، ألا يكون الغرض وهب الأمر لمن يطلبه، أو من يكون حريصاً عليه، وهذه قاعدة قد تقترب من المثال، إزاء الممارسات التي يمارسها بعضنا، خاصةً عندما تعقد إنتخابات، أو يجري العمل لتشكيل مجالس إدارات عبر جمعيات عمومية لشركات ومؤسسات أو غيرها، حيث تنشط اللوبيات والاستقطابات وتستخدم مختلف الأساليب المقرونة بالمطامح والمطامع والمصالح لتنصيب زيد وإعفاء عمر، ويدخل هنا شيطان طلب المناصب من أوسع الأبواب.
ولو يعلم الناس ما تجلبه الرئاسة والامارة لمن يطلبها أو توول إليه، ولو كانت بالطريق الشرعي والمستقيم، لآثروا الإبتعاد والإعتصام بدورهم، ذلك لأن مثل هذا الثقل العظيم والمسئولية الجسيمة يفعلان بالمرء فعلاً يجعله في عداد الموتى وليس الأحياء فيحرم مثل هذا الشخص من الحياة الطبيعية حتى وإن تبعه في حله وترحاله الحراس والخدام، أو تنوعت حاشيته بين مدافع، وطالب مصلحة أو غيرهم من أولئك الذين يحملون الطبلة ويضربون الدف دعك من الذين يعدون الطعام ويمسحون نفاقاً حذاء السلطان، ومهما أحيطت الامارة بأنواع المتاع، وزخرف الحياة فإنها جالبة للشقاء وليست هناك سعادة بها على الإطلاق.
وهناك مقولة كان سلفنا الصالح يرددها عندما وجدوا أنفسهم في موقع القيادة والامارة لتحمل مسئولية الأمة، وتلك المقولة المشهورة تفيدنا عباراتها بمضامين ذات مغزى عميق، ودلالات لو استوعبنا معانيها، لكان الهروب من موقع السلطة هدفاً يبذل من أجله كل غال وكل نفيس.
والذين أدركوا ذلك يقولون صباحا ومساءاً وهم على سدة السلطة (يا ليتنا كان بيننا وبين هذه الامارة بعد المشرقين)، ولكن يا ترى من يقول ذلك في أيامنا هذه التي أصبحت غبراء بما ران على النفوس من كرب وطمع وجشع خطير.
ولما توفي امير المؤمنين عمر بن عبدالعزيز رحمه الله ، جاء جمع من الفقهاء إلى زوجته فاطمة يسألونها : أخبرينا كيف كان حال عمر بينكم؟ قالت سأخبركم، ولو كان حيا لما فعلت، والله ما كان بأكثركم صلاة ولا صياما ولكني والله ما رأيت عبدا قط كان أشد خوفا لله من عمر ، والله إن كان ليكون بيني وبينه لحاف ، فيخطر على قلبه الشئ من أمر الله ، فينتفض كما ينتفض طائر وقع في الماء ثم يرتفع بكاؤه حتى أقول : والله لتخرجن نفسه، فأطرح اللحاف عني وعنه رحمة به ، وأنا أقول : يا ليتنا كان بيننا وبين هذه الإمارة بعد المشرقين ، فوالله ما رأينا سرورا منذ دخلنا فيها !!
وعلى كل ممن يبتليه الله بهذه الإمارة أن يستعد لتحمل الشقاء في الدنيا، وشدة العقاب يوم يقوم الحساب.