النائب العام .. ليته لم يستجيب وليته استجاب

بقلم: سليمان الأمين

نعم ليته لم يستجيب، وليته استجاب، وهذه ليست “غلوتية أو فزورة كما يقول المصريون” نعم ليته لم يستجيب، وأضع الياء رغم أنف “لم” التي تحذف حرف العِلة، أردتها لتعبر حقاً عن الوضع المعلول، فليته حقاً لم يستجب للضغوط، بقبول هذا المنصب.

فهو قد اعتذر في البداية اعتذاراً مسبباً، بأن النيابة بالقوانين الموجودة والإمكانات الموجودة لن تمكنه من أن يقوم بمسئوليته وتحقيق العدالة التي يعرفها، والذي ربما لا يعرفه الخصوم والمتحاملون وذوو الغرض والأجندات، أن تاج السر أغلق هاتفه والتزم داره، ولكنهم لحقوا به وفرضوا عليه القبول باسم الوطن والثورة.

فوضعوه على حد الخِنجر ليواجه تلك المحاذير التي بسببها اعتذر، فمنطق الثورة والمِزاج الجماهيري العام يقول ، إنه يريد قصاصاً سريعاً من كل من أجرم في حق هذا الشعب، ويريد أن يراهم وقد نصبت لهم المشانق وفتحت لهم أبواب السجون، فكل الثورات لا تخلو من رغبة في الانتقام والتشفي لدى الكثيرين.

ومن الجانب الآخر واجبه القانوني يحتم عليه إقامة ميزان العدل وأن يزن بالقسطاس المستقيم، دون خشية أو هوى، ولا حكم إلا بالبينات المادية أو الظرفية، لا حكم بالعلم ولا بالحب والكُره ولا بالقرب والبعد، فأصبح بين المطرقة والسندان،  مطرقة الثورة والاستعجال، وسندان القانون ورصانة العدل، فلا هذا راضي ولا ذاك مقتنع.

والذي لا يعرفه هؤلاء الأغرار أن تاج السر وهو وكيل نيابة في بداياته، قد تنحى عن قضية قتل كان يمثل فيها الاتهام، لأن المتهم شتمه بعد أن سمع مذكرة الاتهام، فرد عليه تاج السر بعبارة جعلته يتنحى على القضية، ولن أذكر هذه العبارة فتاج السر يتألم كلما تذكرها “كنت سأذكرها فقط لو أذن لي تاج السر بذلك” ولعلها هي السبب في تركه النيابة برمتها، بعد أن واصل أحد زملائه في القضية معتمداً على الملف الذي أعده تاج السر، وحُكم على المتهم بالإعدام، وبعدها صار تاج السر كأستاذه عبد الحليم الطاهر “for the accused” ولي الكثير الذي سأحكيه عن مرافعاته الإبداعية، وعبقريته في الاستجواب المباشر التي كانت تحبس الأنفاس، خاصة عند المواقف الحرجة، فنراه يتصبب عرقاً، ثم تخرج منه عبارة الخلاص مثل فلق الصبح.

لم أتفاءل بتلك الصورة التي تداولتها مواقع التواصل الاجتماعي وقد جمعت، الأساتذة كمال الجزولي، والمعز حضرة، ومولانا محمد الحافظ، ووزير العدل الدكتور نصر الدين قسم البارئ، ولا أدري حتى هذه اللحظة لماذا، غير أنني شعرت أن فيها توريطة لتاج السر، فهذه المجموعة من أصدقائه المقربين هي القادرة على الضغط عليه، وقد كان.

لقد كنت أكثر الناس سعادة عندما اعتذر، وأكثرهم حزناً عندما أعلن تعيينه في المنصب، لمعرفتي بإخلاصه لما يتولاه من عمل، تتصف به مواقفه من صدقية، ولديه ممسكة حديث واحدة “Crude Law & Jurisprudence” وهذا ما لا يتحمله المنصب في مثل الظرف التي تمر بها البلاد، وعندما عاتبته لم قبل بالتعيين قال لي بالحرف الواحد “تعرف أنني لا أسعى إلى منصب، نعدل المايل ثم نخرج بأسرع ما تيسر” وكم أشفقت عليه لأنني أعرف أنه صادق فيما يقول.

ولأنني أعرف كمَّ الميل الذي يقول سيعدله، وأعرف كمَّ الألغام التي في الطريق، وكم العصي التي ستوضع في الدواليب، من أعداء الثورة، من بعض مناصريها الزائفين الذين كانوا يتطلعون إلى المنصب أو على الأقل أن يكونوا جزءاً من المؤسسة ولجان التسويات لسمسرتها وتوظيفها لمصالحهم الشخصية، وهؤلاء هم الآن الأعلى صوتاً في مطالبة تاج السر بالاستقالة واتهامه بأنه “كوز” ليخلو لهم المجال.

بينما خنس صوت الكيزان الذي كان عالياً في البداية عندما وجدوا أن شعار الرجل هو الـ  “Crude Law” وبعد أن تيقنوا أنه لا يستجيب لترغيب أو ترهيب، فهو ثابت كالطود الأشم لا تزحزحه كشكشة السِنان ولا كشكشة الدنانير، فصمتوا، وبقي هؤلاء الأرزقية يثيرون الغبار “ويا جبل ما يهزك ريح” وراحت كل شوشراتهم أدراج الرياح.

أما ليته استجاب التي في العنوان، فهي خاصة بي، لا لدعوة هؤلاء فأنا لا أعرف أياً منهم، ولا أود الحكم عليهم، فأمرهم لا يهمني، وإن كانوا حادبين فعلاً على الثورة كما يدَّعون، فالمعالجة ليست بحملات الأسافير، والسوشيال ميديا، بهذه الإنشاء الركيكة التي لا تحتوي على شيء يصلح أن تؤسس عليه مواقف، ولو كانوا فعلاً جزءاً من الثورة، فللثورة مؤسساتها القائمة.
فالنائب العام لم يأت من الشارع ولم يتطفَّل على المنصب، فهناك جهات رشحته وضغطت عليه، وهناك مؤسسات قامت بتعيينه، فليذهبوا بمآخذهم هذه إلى هذه المؤسسات، والمطالبة بإقالته، فهذا أكرم لهم، فمثل هذا السلوك الكسول والنميمة في الأسافير لا يليق بالثوريين، إن كانوا من الثوار بحق، فهذه الثورة قد مُهرت بالدم.

نعم ليته استجاب، لأنه ومنذ توليه المسئولية ظل يعمل لأكثر من أربعة عشر ساعة، لا تتخللها فسحة إلا للصلاة، أرهق الفريق الذي يعمل معه بتلك الزكائب من الملفات المتراكمة، التي تعج بآلاف القضايا والجرائم، وهو يعمل في صمت، ولا يظهر في الإعلام إلا بعد إلحاح، رغم الضغوط  الشعبية المتعطشة التي تريد أن تسمع عن، عن فض الاعتصام، وقتل الشهداء، والانقلاب، وهو يصر على أنه يعمل بالقانون ولا يقدم ما يطلبه المستمعون، نعم ليته لم يقبل أصلاً لما في هذه المهمة من رهق، واعتلال للصحة إذا ما أخذت بحقها، بينما يراها الفاسدون، أبُّهة وامتيازات، وفرص للثراء.

آلآن حصحص الحق، ولا سبيل إلى التراجع، ولعلك تعي جيداً القيم التي تربينا عليها “عيب الراجل كان بدالو شي وما تمَّا” أي أن أكثر ما يعيب الرجل أن يعود من منتصف الطريق، ومن الآن أرجو ألا تقرأ مثل هذه الهرطقات، فالنيابة وبهذه الإمكانات الصفرية، تحقق النجاح تلو النجاح والانجاز تلو الإنجاز.

وليس أدل على ذلك من كشف مقبرة شهداء رمضان جريمة ظلت عشرات السنين تحت الأرض، بعد جريمة العيلفون، ليرتاح الضمير ويقدم الجناة إلى العدالة، وهناك الكثير الذي ينتظر، وكثير من المقابر الجماعية المجهولة التي تتطلب البحث والتنقيب بذات المهنية والمثابرة، جريمة 2 يونيو 1976 بقيادة محمد نور سعد رحمه الله، ومجموعة حسن حسين في وادي الحمار غرب عطبرة وقبر الأستاذ محمود محمد طه، وغير ذلك ، مما يتطلب الوقت وصفاء الذهن.

وسنحاول ألا نرد عليهم حتى نوفر لك الوقت الذي تنفقه في قراءة ما نكتب، وعلى الحادبين على النيابة حقاً فدونهم المؤسسات، فلا أريد أن أحكم على نواياهم لأنني لا أعرفهم إذ ليس من العدل، وإلا فهي كالمنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى.

سؤال أخير أين أقلام الذين دفعوا بتاج السر إلى هذه المهلكة وضغطوا عليه ليقبل، لماذا لا تهب للدفاع عن النيابة وكشف الزيف، فهم في المجال وأدرى به، ويعرفون الصادق لنصحه والمنافق لردعه والأرزقي لكشفه، وبعضهم من حملة الأقلام السيالة التي تكتب بعمق أكثر وقوة أكبر، فالنيابة ليست تاج السر، فهي من أهم مؤسسات الثورة ويجب حمايتها لتؤدي واجباتها وتنجز مهامها .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى