الجمعة 23/01/27

عبد الفتاح البرهان.. تأبى المروءة أن تفارق أهلها

بقلم: علاء الدين محمد عثمان

تقول القصة أن القائد مسلمة بن عبد الملك بن مروان، شقيق الخليفة الأموي، كان على رأس جيش للمسلمين يحاصرون قلعة عظيمة للروم قيل أنها “انطاكية” ولكن القلعة استعصت على جيش المسلمين لارتفاع أسوارها ولإغلاق جميع المنافذ إليها، مما ساعد جنود الروم، فأخذوا يقذفون جيش المسلمين من أعلاها، بالسهام وقذائف اللهب، الأمر الذي أنهك الجنود، بطول الحصار.

وفي إحدى الليالي قام أحد جنود المسلمين بفكرة عظيمة، إذ أنه تسلل تحت جنح الظلام، بمفرده إلى أن وصل باب القلعة وظل يحفر في الخشب وبهدوء شديد حتى لا يجذب انباه أحد ولا حتى من جيش المسلمين المحاصر للمدينة، وظل يكرر ذلك في كل ليلة، حتى استطاع أن يُحدث به نقباً، ثم دخل رغم كل المخاطر والمحاذير، وفك مزاليج الأبواب، وعند الفجر تأهب المسلمون للقتال كعادتهم، ودفع هذا الفارس الشجاع الباب من الخارج وانفتح الباب.

وما هي إلا لحظات حتى سمع الروم أصوات وهم في غفلة عن أسلحتهم تكبيرات المسلمين على أسوار قلعتهم وداخل ساحتها فتحقق لهم النصر، وفتحت المدينة، وبعد المعركة انكشفت قصة النقب على باب القلعة، فجمع القائد مسلمة بن عبدالملك الجيش، ونادى بأعلى صوت، مَن أحدث النقب في باب القلعة فليخرج لنُكافئه، فلم يخرج أحد، فعاد وقالها مرة أخرى ولم يخرج أحد، ثم وقف في اليوم التالي، فلم يخرج أحد، وفي اليوم الثالث قال “أقسمتُ على من أحدث النقب أن يأتيني أي وقت يشاء من ليل أو نهار”.

وعند حلول الليل والقائد يجلس في خيمته، دخل عليه رجلٌ ملثم، فقال لمسلمة “إن صاحب النقب يريد أن يبِر قَسَمَ أميره، ولكن له ثلاثة شروط، ألا تسأل عن اسمه، وألا يكشف عن وجهه وألا تأمر له بعطاء، فقال مسلمة للرجل الملثم “له ما طلب فليأت إليَّ” وعندها قال الرجل الملثم “أنا صاحب النقب ” ثم خرج مسرعاً واختفى بين خيام الجيش ولم يعرفه أحد. وقيل أن القائد مسلمة كان يقول في دعائه دبر كل صلاة “اللهم احشرني مع صاحب النقب، فقد جعل بينه وبين ربه خبيئة عملٍ صالح تنفعه، يوم تبُلى السرائر، يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم”.

لم أورد هذه المقدمة لأسقطها على أحد أو لنثني بها على أحد فالأصل فيها أصلاً إخفاء الأعمال الصالحة، وصاحب النقب في حصار القلعة والذي غير موازين المعركة بعمل فردي ثم أراد أن يبتغي بعمله وجه الله، ولعل العبرة هنا ليس فيما يحققه العمل من إنجاز ومن نتائج يعرفها الناس، ولكن العبرة بإخلاص العمل لله، فالله وحده هو المطلع على السائر ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.

ولكن بالمقابل نجد كثيراً من الناس يدعون عملاً ليس لهم ويستحوذون على انجازات الغير وبها يفاخرون، ولعل هو أكثر ما حذر منه القرآن الكريم وتوعد أصحابه بوعيد غليظ بقوله ” لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ”(صدق اللّه العظيم).

أقول هذا الكلام وأنا أخاطب الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة الانتقالي، وهو تنتاشه السهام من بعض الغوغاء والجهلاء وهم يجهلون قدر الرجل، ولا يعرفون ما ينوء به كاهله من حَمل وما يضطلع به من مسئولية، ويسير على حد الخنجر للحفاظ على التوازن والاستقرار في وضع أمني هش، لا ينتبه له هؤلاء الذين يكثرون من الحديث والضوضاء وفي كثير من الأحيان يعرضون أمن البلاد للخطر، بارتكابهم الأخطاء المميتة دون تبصر أو دراية أو حتى معرفة بأبجديات السياسة، والمؤسسة العسكرية وعلى رأسها البرهان ومعه الأجهزة الأمنية وحدهم الذين يسهرون على حفظ أمنها وسلامتها في صمت وصبر واحتساب، وكثيرون منهم يقدمون التضحيات، ولعل منهم الكثير ويعلمهم الله وحده وقد اتخذ كل مع ربه خبيئة.

سيدي الفريق لا تبتئس بما يفعل الجهلاء، فهؤلاء مجرد ظواهر صوتية تعودوا على ركوب الموجة، وليس عندهم ما يقدمونه، قم بما يليك، ولا تغفل عن جنودك أفراداً ومؤسسات، فلعل فيهم من نموذج صاحب النقب أعلاه، حتى يتسنى لنا أن نجد من ندعو أن نُحشر معه، تحت لواء سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. فأنتم أهل لهذا العمل ومشهود لك، ولقد كتبنا عن مواقفك من قبل، وإنه عندما تردد الضباط في إبلاغ الرئيس بقرار خلعه تقدمت أنت، وكثير من مواقف المروءة والشجاعة والإقدام سيتكلم عنها التاريخ يوماً ما، وإذا لم يتكلم فهي خبيئة مدخرة نسأل الله أن يجزيك بها خيراً.

والبرهان للذين لا يعرفونه، وهنا لا أقصد شندي الثانوية والكلية الحربية من المعلومات الموجودة في السيرة الذاتية، فهو من أسرة ارتبطت بالأرض حباً وانتاجاً، فهي في بلدة “قندتو” ولاية النيل، نار على علم يعرفها الصغير والكبير، احترفوا الزراعة أباً عن جد وكابر عن كابر، بما تمتلكه الأسرة من أرض واسعة وما تنتجه من محصول وفير ولسان حالهم يقول “للغاشي والماشي” وهي عبارة معروفة في الأرياف، أن المحصول متاح البشر والطير والدواب، والأهم أنه يأكل منه المئات من تلاميذ القرآن في خلوة جده وأبيه من بعده.

فالبرهان يا هؤلاء ممتلئ العين “عينه ملانة” لا يحاج ليمد يده لأموال الشعب أو التكسب من المنصب، ووجدانه عامر بما اكتسب من روحانيات، ولعل هذا يمتد إلى شقيقه مولانا القاضي حسن، الذي كان من أوائل ضحايا الإنقاذ فصلاً تعسفياً معيباً، وعندما أعادته الثورة إلى سلك القضاء ضمن برنامج  إعادة المفصولين تعسفياً، استقال في اليوم التالي، يبدو لي والله أعلم أن استقالته بسبب وجود شقيقه في السلطة دفعاً للحرج، واعتبر الإعادة رد اعتبار، وكل بقية الأسرة تذخر بمثل هذا الزهد والعفة والمروءة.
ولعلي أختم بهذا البيت:
تأبى المروءةُ أن تفارق أهلها … إن المروءةَ في الرجالِ خصالُ
(0900909299)

شاهد أيضاً

اجتماعات سيادية مع جبريل ومناوي

ببساطة

إبراهيم عثمان على الذين أيَّدوا قناعةً، أو صمتوا تواطؤاً، أو تفهَّموا محاباةً، أو عذروا تنزُّلاً، …