حسن فضل المولى يكتب: كمال ترباس

لمن سألني عن كيف أرى كمال ترباس؟ أقول :

يشجيك أولا يطربك
تتفق معه أوتختلف
ترضى أو تأبى..

يظل سراجاً وهاجاً في مسيرة الغناء السوداني ، ومن أولي العزم والسابقة..
وأنا كلما إستمعت إليه ، تستلهم ذائقتي أريج زهرة السوسن ، والتي أجاد شاعرنا الفذ عبدالعال السيد في وصفها :
زهرة السوسن
عطرك الفوّاح للنفوس مسكن
يازهرة السوسن..

ذلك أنه عندما يغني ترباس، تكتسي النفوس غِلالات خضراً من الراحة والإنبساط..
فعلاوة على اصطفائه لأعذب الكلام..
ونسجه لأزهى الألحان ،فهو يسبيك بصوته ،فتقعد مأخوذا مسحورا ..
لقد أوتيّ مِزمارًا .. وأيّ مزمار؟

قالوا: المزمار والمزمور ،هو الصوت الحسن،وبه سميت آلة الزمر مزماراً..
فيا لحسن صوته..
لما يعلو ويغوص،ويتماوج وينساب ليحاكي:
همس العاشقين
وحداء الظاعنين..
والهديل والهدير والخرير والصفير..
والصهيل والصليل..
وأعني بالصَلِيل هنا،ماقصد إليه أبو الطيب المتنبي في قوله:
وأمواهٌ يُصِلُّ حصاها
صليل الحليِ في أيدي الغواني
إنه تشبيه للصوت الناشئ عن تلاقي المياه المندفعة مع الحصى وما يحدثه من صوت أشبه بما ينبعث من الأساور والغوائش في أيدي الجواري البَضَة..

إنه يمتلك قدرة فائقة على التطريب والترجيع والتطويع..
وهو كمن يحمل فرشاةًأليفة، فتطاوعه الألوان ويسعفه الخيال..
يشدو ليستهوي النفوس في كل أطوارها وأحوالها وخطراتها..
ياجميل يامدلل
إنت المهم
زول بريدك زيي ماااافي
إنت حياتي
أنا من صفاك مسحور
أديني من ريدك مدد
السمحة ياستهم
صدقني مابقدر أعيد
جايي تفتش الماضي
وبتخيلك
وأمي الله يسلمك..
ولو كان حبيبي أباح
واعلن هواه صراح
كان الفؤاد ارتاح
وانا كنت ليهو مشيت
ياريييييت

وعشرات من الأغنيات التي عندما تستمع إليه وهو يرددها،فكأنك تحلق عالياً ، وقد وضعوا في راحتيك الشمس والقمر والنجوم والبحار..

والذي يميز ترباس ، إخلاصه لفنه وتعلقه به ، فتكاد تجزم أنه قد جاء للوجود ليكون مؤديًا حاذقاً ، ولو تصورته على أيِّ نحوٍ آخر فلن تراه يصلح لغير أن يكون مطرباً أُشرب حب الغناء وتجويده..

تألفه يوظف كل الأسباب والوشائج لخدمة فنه ، فيقترب منك بقدر اقترابك منه وتذوقك له.. وكذلك يبتعد ..
يطرح نفسه لكل الناس ، على تفاوتهم واختلافهم ، وهو بذلك يترفع عن زيف المواقف وبريقها الكاذب ، ليضع نفسه في علياء لا تنالها معاول التخذيل والإنتقاص ..
ولا يرضى الدنية في عطائه ، وهو بذلك يريد أن يضعه طالبوه ومحبو فنه ،حيث وضع نفسه وهيأ لها من المِهاد والأسباب ، مايسر الناظرين ويطرب السامعين ..
يعني الغالي تمنو فيهو ..

وترباس لمن استطاع إليه سبيلا ، والسبيل هنا قد يعني أكثر ، إمتلاك حاسة التذوق ، التي تمِيِِزُ الغث من السمين والتبر من التراب ..

وله مذهبٌ في الدُعابة جميل مستطاب .. يَمَقْلِبك ، ويتلذذ بذالك وينبئك أنه هو من فعل ذلك …
خفيف الروح ، لطيف ، مرح ..
مرةً جلست إلى جانبه في أستديو علي شمو فتناول قارورة بيبسي ، قلت له : ياأستاذ بزيد وزنك ، فقال : مايزيدو أنا قاعد أمشي موضة..
ويروى عنه أنه عندما رأى القومَ هناك يُمطِرون الأجساد الجامحة بالبِر ، والبر هو إسم العملة الأثيوبية قال : أول مرة أعرف أنو في بر غير البر بالولدين..

ويحكى أن دكتور علي الكوباني قال له يوما ً: بتلقاني قدام ياترباس ، فرد عليه : قدام وين يا كوباني ، هو إنت متين جابوا ليك زول حي ؟..
سألت كوباني عن صحة هذه الرواية ، فقال لي : أيوا صحيح يا أبوعلي ، قال لي الوسخ ..
وطبعا كوباني وترباس لما يلتقيان في الغناء ، تجد النار ولعت والزهور فتحت والرؤوس مالت طربانة ويحاصرك الجمال من كل ناحية ويتملكك السُكرُ وأنت لم تعُاقر الراح والسُلاف..
وعندما يقبلان على المِزاح إلا تقوم جاري

ويبقى ترباس ، بكل المقاييس ، ظاهرة فنية مكتملة الأركان ، تستحق الإحتفاء وموصول الثناء ، وأراني فيما أوردته عنه ، كالمُخبِرِ عن ضوء النهار الباهر والقمر الزاهر الذي لا يخفى على ناظر…

وما الكمال إلا لله وحده..فبقدر مايهب عبده من موجبات التفرد والفلاح ، لايُنزِهه من النقائص المُقْعِدة..
فيا كمال ترباس ..
عرفتني أهوى الجمال وأقدسو
وأيقظ مشاعر الناس عليه لو كان نسو
حب الجمال زي الهوى البتنفسو
لكن بخاف من العيون لو كان قسو

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى