الأحد 23/01/29

إبراهيم عثمان يكتب: معنى الانحياز للجماهير في زمن القحط

 

( هذا القرار – قرار زيادة تعرفة بصات ولاية الخرطوم إلى ٥٠ جنيهاً – انحاز للجماهير  وانحاز للفئات الإجتماعية الكادحة … ونحن أصلاً جينا في مواصلات الخرطوم عشان نشغل بصات ولاية الخرطوم لصالح الفئات الكادحة في الولاية) – محمد ضياء الدين مدير شركة مواصلات ولاية الخرطوم .

 

لا غرابة في أن يرى مسؤولٌ في مضاعفة التعرفة عدة أضعاف انحيازا  للفئات الضعيفة، فنحن في زمن القحط، الزمن الذي تتقزم فيه المعاني وتنمسخ وتسود اقتباسات رثة منها تحاكي العناوين وتخون المضامين،  والأستاذ محمد ضياء الدين – على ما في حديثه من فهلوة – قد يكون معذوراً  لعدة اعتبارات:

 

– فهو يبني مرافعته عن قراره على أن الغلاء الفاحش قد عم، وأن تكاليف التشغيل قد تضاعفت أضعافاً مضاعفة، وأنهم في الشركة قد “انحازوا” للجماهير  بالمقارنة مع الحافلات ووسائل النقل الخاصة التي قسمت الخطوط الطويلة إلى ثلاثة خطوط، وضاعفت تعرفتها عدة أضعاف بأكثر مما فعلت الشركة،

ففي ظل الفشل العام للحكومة، وفي ظل عجزها عن تحديد تعرفة لوسائل المواصلات الخاصة وعن إلزامها بخطوط محددة، سيكون مفهوماً أن يرى الأستاذ ضياء الدين أنهم قد حققوا إنجازاً كبيراً لأنه كما يقول: (كان من الممكن لو دايرين نستعمل الفهلوة نقول دايرين نزيد التذكرة من ٢٠ إلى ٣٠ ونقسم الخط إلى ٣ خطوط…)، فيا له من إنجاز كبير وانحياز حقيقي للكادحين حين تتنازل الشركة الحكومية عن حقها في الفهلوة التي أصبحت هي عنوان المرحلة!

– الأستاذ ضياء الدين  يحكم على زياداته بالمقارنة مع الزيادات العامة في زمان القحط هذا، وبالتالي هو يحكم على قراره من داخل شروط اللعبة القحاتية،

فالحكومة نفسها ترى بأنها في مجمل قراراتها منحازة إلى الجماهير، ولذلك من الطبيعي أن يرى من يضاعف سلعته أو خدمته ٥ أو ١٠ أضعاف أنه قد انحاز إلى الجماهير عندما يقارن  مع من ضاعفها ١٥ أو ٢٠ ضعفاً.

– يُحمَد للأستاذ ضياء الدين أنه لم يحاول أن يخرج في مقارناته بعيداً عن الواقع الحالي ليجد في قراره انحيازاً للكادحين، بمعنى أنه لم يحاول أن يقنع المستمع بأن الشركة بتعرفتها الجديدة قد انحازت للجماهير بالقياس إلى آخر تعرفة في عهد الإنقاذ، فقد كان أذكى من أن يقع في مثل هذا المطب.

– لكن الذي يؤخذ عليه أنه بعد المرافعة المطولة عن قراره، والتي كانت تحتاج إلى نوع من الإعتذار للكادحين، لجأ إلى الفهلوة  وافترض أن الكادحين قد اقتنعوا بأنه فعلاً قد انحاز إليهم، وحقق الغرض الذي من أجله جاء إلى الشركة، ولهذا انتقل إلى الحديث عن “الرقابة الشعبية” ، وضرورة أن يحرس المواطنون القرار الذي انحاز إليهم : ( نحن دايرين المواطن يراقب حقه ). فمتى كانت مضاعفة الأسعار “حقاً” يجب أن يُحرَس؟

– طبعاً لن يتساءل الناس لماذا لا يستقيل الأستاذ ضياء الدين إذا كان الأداء العام للحكومة  يجبره على هذا النوع الرث من الانحياز للجماهير الكادحة، فالأسباب المانعة معلومة، وهي ذاتها التي منعت الحزب من مغادرة الحكومة بعد تدشين خط تل أبيب الخرطوم الجوي..

من حسن حظ الأستاذ ضياء الدين أنه لا يعمل بالطيران المدني، فربما كان سيضطر لا إلى الاستقالة بل إلى طلب النقل إلى وظيفة أخرى لا تحرجه بطريقة مباشرة  .

 

شاهد أيضاً

اجتماعات سيادية مع جبريل ومناوي

ببساطة

إبراهيم عثمان على الذين أيَّدوا قناعةً، أو صمتوا تواطؤاً، أو تفهَّموا محاباةً، أو عذروا تنزُّلاً، …