الأحد 23/02/05

إبراهيم عثمان يكتب: عن الكرامة في زمن الشحدة!

القحط الذي ضرب البلاد لا يقتصر فقط على الماديات، بل يشمل المعاني والمعنويات، بل إن القحط الذي ضرب الأخيرة أعمق غوراً، لأنه – على عكس الأولى – يرتبط مباشرة بتوجهات وسياسات مقصودة، إضافة إلى أن القحط المادي ينتج عنه بالضرورة قحط معنوي إذا كان النظام مستلباً منبتاً عن قيم ومبادئ ومواضعات مجتمعه.

من تلك الكلمات التي ضربها القحط كلمة الكرامة، فقد ذكر السيد وزير التعليم أنهم قد طلبوا من أربع سفارات أن تمدهم، مجاناً، بورق لطباعة المناهج، وأنهم قاموا بما عليهم وحددوا الكميات والمواصفات، لكن السفارات تجاهلت طلباتهم إلا واحدة أعطتهم ثلاثين ألف دولار، فرأوا في ذلك إهانة ومساس بكرامتهم فردوها إلى السفارة :

▪️ المسافة بين وعود البدايات الوردية عن العبور التعليمي وواقع النهايات شديدة البؤس إلى درجة العجز التام، كبيرة إلى درجة أن طرق سترها والتغطية عليها كان من بينها هذا النوع من الشحدة الماسة بالكرامة بمعناها الأصلي.

▪️ الظن بأن تصريحات الوزير أول توليه لمنصبه عن استنكاره “للكمية المهولة” من سور القرآن في المناهج، وقوله إن المدارس ليست مكاناً لحفظ القرآن الكريم، إضافة لتصريحات مدير المناهج الكثيرة في ذات الإتجاه، الظن بأن هذه التوجهات ستشجع السفارات على الاستجابة الفورية والسخية لدعم طباعة المناهج الجديدة، وأن الشحدة من هذا النوع بين المتحابين في العلمانية لا تمس بالكرامة هو ظن يقوم على تفكير ساذج بسيط ضربه القحط حتى أصبح من يُناط بهم التربية والتعليم في أمس الحاجة للتعليم حتى يفهموا أبسط الأبجديات .

▪️ يحق لأي عاقل أن يتساءل ويجيب بسهولة : أيهما أكثر مساساً بالكرامة؛ أن تلجأ الوزارة، إبتداءً، لهذه الطريقة في “الشحدة” أم أن تُعطَى أقل مما كانت تتوقع، وأن تقوم بإعلان ذلك للعالم كله ؟

▪️ هل توجد دولة في العالم – عدا السودان في زمن القحط – لا تستطيع طباعة المناهج؟ وما نوع التقارير التي يمكن أن يكتبها هؤلاء السفراء لحكوماتهم بخصوص الوضع في السودان ؟ وما تأثير هكذا تقارير على سياسة الدول الطامعة تجاه السودان؟ وما تأثيرها على وزن السودان ومكانته بين الدول ؟ وما دلالة عدم الاستجابة ؟ هذه أسئلة لا أظن إنها خطرت ببال الوزير ولا ببال وزارة الخارجية التي خاطبت له السفارات.

▪️الكرامة – بمعناها الحقيقي – كانت ستمنع هذا النوع من “الشحدة” بهذه الطريقة، وحتى إن كان معناها قد تقحَّط جزئياً بسبب مستوى الفشل الحادث، فبقية الكرامة كانت ستمنع إذاعة هذه الفضيحة. أما وقد تمت الشحدة، وقد تبرع الوزير بإذاعة الفضيحة، بل وأذاعها وكأنها فضيحة للسفارات، فهذا يدل على أن الكلمة قد تقحطت بالكامل وفقدت كل معناها الأصلي. والخشية أن تكون هناك فنون أخرى مستورة للشحدة نجحت أو لم تنجح قام بها بقية الوزراء.

▪️ عدم استجابة ثلاث سفارات تدل دلالة قاطعة على استغرابها من مستوى الفشل، ومن هذه الطريقة في الشحدة التي لم تعهد مثلها، وعلى عدم احترامها للشحاذين الذين بلغ فشلهم وهوانهم وعدم كرامتهم حداً جعلهم يلجأون إلى هذا النوع من “الشحدة” المذلة..

▪️ تبرُّع إحدى السفارات بمبلغ ٣٠ ألف دولار يعني أن السفارة التي استجابت قد علمت، من الشحدة وطريقتها، ما حدث من تقحيط لكلمة الكرامة، وقدَّرت أن عطية مزين هذه ستكفي هؤلاء الشحاذين الصغار الفشلة ولن يكون فيها مساس بكرامتهم .

▪️ رد مبلغ ال ٣٠ ألف دولار لا يعني استعادة الكرامة المبعثرة على أبواب السفارات، اللهم إلا استعادة الكرامة بمعناها كامل التقحيط، فقد ضاعت الكرامة الحقيقية مع واقعة الشحدة وطريقتها، ولن تشعر السفارة بتأنيب الضمير إلا كما يشعر من يقابله شحاذ رث الهيئة فينظر إليه كمحتال أو كشخص كسول بلا كرامة فيعطيه، تحت الإلحاح، مائة جنيه فيردها الشحاذ مدعياً بأن كرامته يمكن أن تُباع لكن بسعر أعلى من ذلك. ثم يعلن أمام الجميع أنه قد أحسن الشحدة وحدد احتياجاته بدقة وأن المحسن كان بخيلاً ولم يرق قلبه لحاله كما يجب !

▪️ إذا شعرت السفارات بنوع من الحرج بعد إذاعة الوزير لفضيحته، وقررت – بسبب تقديرات من دولها لأضرار غضبة الوزير والحكومة على مصالحها – أن تستجيب هذه المرة بصورة أفضل، فلن نكون بذلك قد استعدنا كرامتنا، بل سنكون في هذه الحالة أشبه ب”الفاتية” التي يخشى الناس لسانها ويخضعون لابتزازها.

▪️ إذا تدخلت سفارات أخرى، بعد إذاعة الفضيحة، واستجابت بعد أن علمت بأن حالتنا (تحنن الكافر) فأعطتنا الورق لطباعة المناهج التي ترى حكومتنا بأنها ترضي الكفار، أعطتنا إياها “صدقةً” أو لمصالح ترجوها، فلن يكون في ذلك استعادةً للكرامة بمعناها الحقيقي. بل سيكون فيه مصادقة على النسخة كاملة التقحُّط .

شاهد أيضاً

الآلية الثلاثية تتنصل من خطاب إلغاء الحوار الوطني

الإطاري بين حسابات الحقل وحسابات البيدر

بقلم: إبراهيم عثمان ▪️ تخطيء أحزاب فولكر كثيراً إذا ظنت أنها بما نالته من دعم …