«العيكورة» يكتب: ذات التهنئة نُكررُها ولا جديد!

بقلم: صبري محمد علي (العيكورة)

كل عام والسودان بألف خير نُردِدَها مع بواكير يناير من كل عامٍ نُغنيها مع (ورّدِي) نصفقها مع الطمبور ونرقُصها مع المردوم . كل عام والسودان بألف خير نتذوقها مع الحلوى وموائد الإفطار ونهز (أضرعتنا) مقبوضة الأيدى مُبشِرين نُهنيء بعضنا بعضاً بإستقلالنا.

جميلٌ أن نجتّر سيرة الأبطال الذين سطّروا لنا هذا التاريخ المُشْرق ونُحدِث عنهم أبنائنا وبناتنا ، جميلٌ أن تعلو مكبرات الصوت فى المحال والمركبات العامة تُغنى للإستقلال وجميل أن نُزين ساحاتنا ومياديننا بالأعلام والورود .

اليومُ نرفعُ راية إستقلالنا نُسطِرُها حروفاً عبر أجهزة الهواتف المحمولة نُقاطع بها الأثير ونسابقُ بها الزمن. جميلٌ أن يعرف أبنائنا علي عبد اللطيف وعبد الفضيل الماظ و الأزهرى وأحمد خير المحامى والسيد علي الميرغنى والمهدى وكل رواد الإستقلال .

جميل أن يعرفوا نادي الخريجين ومدني وكوستى وأم درمان ودنقلا وكسلا وكل الحِراك الذى انتظم السودان فى تلك الحِقبة من أواسط خمسينيات القرن الماضى . جميل بل من الواجب أن لا تمرُ هذه المناسبة العزيزة علينا مُرور الكرام ولو بكلمات بسيطة نسردها لأبنائنا عن ملحمة الاستقلال .

نعم نال السودان إستقلاله عن بريطانيا قبل خمساً وستون عاماً من الآن وترك لنا المُستعمِر بُنية تحتية ما زالت شاهدة على زمن خصُوب. فمن سودنة الوظائف الى النقل الميكانيكى ومشروع الجزيرة والسكك الحديدية والطرق و خورطقت وحنتوب الجميلة ومباني الحكومات التى مازلت تُدار منها الولايات . وزرع الأشجار الباسقة على ضِفاف النيل . ترك لنا نِظاماً مُحكماً من الخدمة المدنية بوابتها الكفاءة والوطنية والإنضباط.

نعم عزيزى القارئ نال السودان إستقلاله ولكن عجزنا أن نحدد هويتنا الاقتصادية بعد كل هذه السنوات! فمازال (الفلسُ معشعش) في جيوبنا و(الويكة) لم نُسقِطها عن قائمة الضروريات! فلماذا لم يتغير حالنا للأفضل؟ هل ذهب المُستعمر بالأرض والماء وثروتنا الحيوانية أم سرق عقولنا خِلسةً؟ بالطبع كل هذا لم يحدث إذاً المشكلة لدينا نحنُ .

فلماذا هذا التخبط الذى نُعالجه بالمزيد من انعِدام الرؤى وعدم التخطيط السليم في إدارة مواردنا فهل عقمت حواء السودان أن تنجب لنا من يُدبر أمر هذا الوطن؟ أكثر من ستين عاماً والأمراض والفقر تقاسمنا الحياة وأجيالنا تُرهِقُها (قفة) المعيشة ويُقلِقُها الدواء ما الذى أصاب هذا الوطن؟ ستون عاماً وزيادة ولم نُحدد ماذا نزرع وماذا نُصنِع وماذا نستورد و إرث المستعمر يتلاشى أمام أعيننا يوماً بعد يوم فلا طورنا بُنيته ولا حافظنا عليه كما كان .

إستخرجنا النفط فأهملنا الزراعة والرعى وإتجهنا نحو الإستثمارات الخارجية وأهملنا الوطن . إستوردنا كماليات الترف والدعة وتركنا مُدخلات الإنتاج حتى إشعارٌ آخر ، تقاطعت السياسة مع الاقتصاد فإتمر بأمر السياسة فأصبحنا نُعلِق كل خيبة التخطيط والفشل على أى وزير مالية يقوده حظهُ العاثر لهذا الكرسى. 

استمعتُ لإحدى قنوات التلفزة قبل فترة في لقاء مع رئيس إتحاد رِجال الأعمال العرب فى فرنسا . على ما أذكُر تحدث الرجل بألم عن إمكانات العالم العربى الغير مُستغلة وكان للسودان نصيب مُقدر من تلك الحسرة . وتساءل لمُضيّفه بقوله سأقول لك شيئاً لن تصدقه ! هل تعلم أن صادرات (هُولندا) تُعادل جميع صادرات العالم العربي بما فيها البترول ثم أردف قائلاً وهل تعلم أن مساحة (هُولندا) ضِعف مساحة (الجيزة) بمصر ! ثم ماذا تُصدر هولندا هذه؟ (شوية لبن و زبده) قالها بألم وكان حينها الحديث عن ضرورة تحديد الهوية الإقتصادية لكل دولة وتبادل المنافع . فأين السودان من كل هذا؟ وأين هويتنا الاقتصادية لا أحد يملك الإجابة ذهبٌ وأرضٌ وماءٌ ونيلٌ ونِفطُ وخُططٌ خجولة تطالعنا كل عام مالي مع بشريات الميزانية الجديدة.

ويمضي العام كما بدأ يطوي بداخله أحلام الغلابة مُتوسدة الوعُود الكاذبه يُمَنّون أنفسهم بالغدِ المُشِرِق والصحة والغذاء ومجانية التعَلُم. ويتنفس صباح الغد على سرابِ الأحلام ! ونيلُ الفراديس يجرى والعام يمضي ولا جديد تحت سماء السودان كالعَيسُ في البيداء يقتُلها الظمأ والماءُ فوق ظُهورِها محمولٌ .

قبل ما أنسي :ــ

هذا المقال ظللت أكرره لخمسة أعوام مُتتالية لم أجد بارقة أمل واحدة أضيفها! ولو أضفنا له هذا العام خيبة الشعب فى (حمدوك) لأفسدتُ فرحة الاستقلال! وكل عام وأنتم بخير

*خاص بـ(متاريس)

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.