«كيلا» الذى كال من المحبة والسلام

بقلم: محجوب فضل بدري

-كان كمال الدين عثمان على كيلا (كمال كيلا) نسيج وحده فى الثقافة عموماً،وفى فن الغناء خصوصاً،وفى موسيقى الجاز،بصورةٍ أكثر خصوصية،فقد برع فى كل ذلك،وغنى باللغة العربية،واللغة الإنجليزية،ومارس الرقص مع الغناء،وعبر الحدود إلى الفضاء العالمى عامَّةً والمحيط الأفريقى خاصّةَ.

ولم يكن الغناء العاطفى وحده المجال الذى يغنى فيه وله،فقد كانت قضايا الوطن همه الأكبر،وكان السلام عشقه الأعلى،ونبذ الإحتراب همه الذى ينام ويصحو عليه.

كمال كيلا الفنان الشامل،الشفيف،والمثقف المتواضع الذى يحمل رسالته فى جوانحه مثلما يحمل قلباً كبيراً محباً للجمال،فى الأطفال والعصافير الملونة،والكلاب الأليفة،والأزهار والخضرة والوجه الحسن،كان يغنى للسلام،ويُعنى بتربية الحَمَام، ويعرف من انواعه وفصائله ومنشأه وهديله ما لا يجتمع لدى شخصٍ واحدٍ.

ويستمتع وينقل المتعة إلى زوَّاره فى بيته بحى الأزهرى الذى خصص أكثر من نصف مساحته لأوكار الطيور الجميلة،وأسقفه للحمائم الراقصة،والجقادى والكنج،وغيرها مما لا يعرف فصائله الا هو،وأوجار الكلاب الأليفة والعنيفة التى يروضها،،وللطواويس الجميلة الزاهية الألوان،وتنطلق فى أرجاء البيت مشكلةً لوحات ناطقة بالحُسنِ والبهاء،ممزوجة بتغريد الطيور،وزقزقة العصافير والببغاوات،فيتحول منزل كمال كيلا الى لوحة تجمع الوحدة فى التنوع،مثله تماماً من أب شمالى وام جنوبية وتربية شرقية فى كسلا وإقامة دائمة عند مقرن النيلين.

-وأسرة كيلا معروفة فى كسلا حيث النشأة والتعليم فشقيقه كان ضابطاً عظيماً فى الجيش السودانى،ثم مديراً لمصنع تجفيف البصل بكسلا.

-شاهدته للمرة الأولى،على مسرح سينما نيالا منتصف السبعينات ضمن فرقة غنائية زائرة ،صحبتها راقصة اسمها عواطف سليمان، وكانت ترتدى بنطالاً لحظة تقديم كمال كيلا لوصلته الموسيقية على انغام الجاز ورقصة الهورس horse وضجت السينما بالصفير والتصفيق،وطارت الكراسى على الرؤوس،فقد كان لبس البنطلون للسيدات بدعة غريبة،لم تألفها العين بعد.

ويضحك كمال كيلا حتى تدمع عيناه الطفوليتان عندما أذكر له تلك الواقعة،وهو يعلمنى كيفية العناية بطيور الزينة والحمام والطاؤوس،والغزلان،ويزيد فى ذلك بتلقين ابنائى الصغار،هذه الدروس ويرغبهم بإهدائهم بعضاً من تلك العصافير الملونة الجميلة،ويقلد لهم صوتها وحركاتها.

وزرته للمرة الأخيرة فى منزله الذى لفته هدأةً مريبة ،وغابت عنه كل الأصوات،فألفيته يرتدى جبة وطاقية خضراوين،وهو ساهم يحدق فى اللاشئ،وقد فقد الذاكرة ومعها الإهتمام بكل هواياته وحيواناته الأليفة ،فلفنى الحزن ولم التقى به بعد ذلك حتى نعاه الناعى،رحمه الله رحمة واسعة،واسكنه الفراديس العلى من الجنة.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.