إبراهيم عثمان يكتب: العلمانيون بين الحريات الخاصة والعلاقة الخاصة

(الدين يجب أن يكون علاقة خاصة بين العبد وربه، ولا دخل له بالشأن العام ):

▪️ الروح العدائية في العبارة أوضح من أن تحتاج إلى إثبات، فأيما طرد هو بالضرورة عملٌ عدائي، خاصةً إذا كانت عداوة الطارد يصدقها التطبيق بما فيه من تفاصيل طرد كامل هنا، ومطاردات هناك، وتحجيم، وتوجس وارتياب، وتجفيف منابع .

▪️ من يسمع هذه المقولة ويصدق أن القائلين بها يعنونها تماماً ويؤمنون بها، ويتناسى الروح العدائية فيها، سيظن أن الدين كعلاقة خاصة بين العبد وربه سيكون حاضراً بقوة عند العلمانيين أكثر من غيرهم، كيف لا وهم قد اختصروا كل الدين وكثفوه في هذه العلاقة؟! لكن الملاحظ أن الغالب عند العلمانيين هو ضعف الالتزام بهذه العلاقة الخاصة في شكلها التعبدي الذي يمكن أن يراه الآخرون. وما يتبعه من سلوك يتأثر به. ويصعب أن تجد من بينهم حافظاً للقرآن أو داعيةً بشجع الناس ويدعوهم إلى الإلتزام بالتدين الشخصي، وموقفهم من الدعاة الذين يقومون بذلك عادةً يكون سلبياً .

▪️ العلمانية نفسها فلسفة شاملة، لا تقتصر على المجال العام، وتأثيرها على الصعيد الشخصي الخاص كبير جداً، ولن يقبل العلمانيون إن ظهرت جماعة تقوم دعوتها على التسليم بحق العلمانية في تدبير الشأن العام، مع محاصرتها وطردها من الشؤون الخاصة للأفراد، فجزء كبير من التدابير العلمانية في إدارة الشأن العام تنعكس مباشرة على الشؤون الخاصة للأفراد .

▪️ العلمانيون، كما هو واضح، لا يتصرفون كمعنيين بهذه العلاقة الخاصة، بل يقدمون هذا الحل التخديري لغيرهم من المسلمين المتمسكين بدينهم، والأمر لا يزيد عن مجرد مساومة مع المجتمع: تريدون الدين؟ لن نمنعكم، صوموا وصلوا وناجوا ربكم كما شئتم، لكن أتركوا لنا صياغة القوانين وتنظيم الشأن العام بما نرى، أو بالأصح بما يرى علمانيو الغرب. لكن حتى هذه القسمة الضيزى لا تشبع طمعهم، فالدعوة للدين كعلاقة خاصة فحسب هي دعوة احتيالية وتنازل لفظي يفرضه عليهم علمهم بأن المعركة الجذرية وغير المتدرجة ضد الدين خاسرة

▪️ العلمانيون يطردون الدين من المجال العام إلى العلاقة الخاصة، لكنهم يشتبهون في كل من يحضر الدين في حياته الخاصة بشكل واضح، بل ويصنفونه مباشرةً ك”متدين” بكل التضمينات السلبية لهذه الكلمة عندهم، وأحياناً يصفونه بالتطرف، والأصل عندهم أن كل متدين هو بالضرورة خصم لفكرتهم ومشتبه بتأييد دور الدين في المجال العام إلى أن يثبت العكس،. وفي المقابل بحتفون بالمرتدين والملحدين وينفقون كل رصيدهم من “التسامح” عليهم، ويضعون الدفاع عن حرية التخلي عن الإسلام على رأس أولوياتهم.

▪️ العلمانيون يميلون إلى تفضيل من يمارسون علاقتهم الخاصة بطريقة تشذ عما يدعو إليه الإسلام، ولهذا يأخذ محمود محمد طه مكانة كبيرة عندهم، ذلك لأنه استغنى في علاقته الخاصة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأصبحت له عباداته السرية الخاصة، وأصبح هو وتلاميذه في خدمة العلمانية. ولهذا مكنوا لأتباعه في التعليم ووزارة الشباب والرياضة وغيرها .

▪️إذا قارنا بين دفاع العلمانيين عن “الحريات الخاصة” خاصةً تلك التي تتعارض مع تعاليم الإسلام، والدعوة إلى الدين “كعلاقة خاصة” ، سنجد أن حماس العلمانيين للأولى كبير جداً، وتظهر فيه علامات الصدق، وغالبية العلمانيين يمارسون هذه “الحريات الخاصة”، ويدافعون بحماس عن ممارسيها.

▪️ حرص العلمانيين على حماية حرية ارتكاب المنكرات أكثر من حرصهم على حماية حرية المسلم في علاقته الخاصة بربه، مثلاً إذا قارنا نظوة العلمانيين لمتعاطي/ة للخمور مع نظرتهم لإمراة محجبة، فإنهم عادةً يدافعون عن حرية المتعاطي/ة، ويرتابون في المحجبة، هذا إذا لم يهاجموها ويسخروا منها. ولهذا أينما حكم العلمانيون توجهوا مباشرة إلى تسهيل ممارسة “الحريات الخاصة” التي لا تعبأ بتعاليم الدين.

▪️ لا يستطيع الإنسان أن يجمع بين الحب للدين كعلاقة خاصة والنفور منه في المجال العام، فمن تملأ العلاقة الخاصة قلبه سيستأنس بحضور الدين في علاقاته مع الغير وفي الشأن العام .. وفي التعبد الشخصي، كتلاوة القرآن الكريم مثلاً، كثير من التفاصيل ذات الصلة بالشأن العام، وسيكون تعبداً مشوشاً إذا كان يتم بتلاوة آيات لا يؤمن بصلاحيتها للتطبيق، أو يجتهد في البحث عن تأويلات علمانية تفرغها من مضمونها، فمتى ما سيطر الهوى العلماني على الشخص لن يستطيع أن يحجمه ويحدد له مساحة معينة لا يتعداها.

▪️ العلمانيون يتهمون الدعاة بتسييس المنابر إذا خاضوا في الشأن العام بما لا يروق لهم، ويسخرون منهم إن لم يفعلوا وأكتفوا بالفتاوي المتعلقة بالتدين الشخصي، ويسمونهم علماء الحيض والنفاس، الأمر الذي يكشف عن تبرمهم بالدين في المجال العام والخاص أيضاً.

▪️ للعلمانيين “اجتهادات” كثيرة في الدين كعلاقة خاصة تفرغه من معناه المعروف، فهناك عشرات الكتب التي تجد الاستحسان من غالب العلمانيين، وهي تفتي في أساسيات العلاقة الخاصة ابتداءً من وجوب الصلاة والصيام والحج، مروراً بالسخرية من الزكاة والدعاء وانتهاءً بالطعن في القرآن الكريم وفي النبوة.

▪️ كثير من العلمانيين يأخذون “دينهم” من “فقهاء”/ مفكرين علمانيين يجاهرون بأنهم (مسلمون بالمعنى العام، و لا يطبقون الشعائر والطقوس). ويجد هؤلاء “المفكرين” مكانة كبرى عندهم كعباقرة يفهمون “الإسلام الصحيح” ويقدمونه إلى المسلمين “الجهلة”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.