آراء

إبراهيم عثمان يكتب: متى تربستم السودان؟

كانت قحت قبل انقلاب اللجنة الأمنية تعلم أهمية مواقف الشخصيات العامة في التأثير على الرأي العام.

وفعلاً بدأت حملة تسجيل مواقف منظمة، وكانت تواكبها حملة ابتزاز وتخوين للصامتين وأصحاب المواقف الرمادية، كان أقل سقف يقبله القحاتة من الشخصيات العامة هو الحديث عن الغلاء وسوء الحال وإرداف ذلك بدعمهم للمتظاهرين. 

ولم يكونوا يرفضون أي موقف من أي شخص حتى لو كان إسلامياً، بل كانت مواقف الإسلاميين مطلوبة أكثر من غيرها لرمزيتها العالية ودلالاتها الكبيرة.

وفي هذا السياق أتى الترحيب بتغريدات الشيخ عبدالحي يوسف في يومي ٢١ و ٢٢ ديسمبر ٢٠١٨ التي نشرها في هاشتاق (مدن السودان تنتفض) والتي يقول فيها :

(يا رجل الدولة: المناصب ليست غاية في ذاتها، بل هي وسيلة لخدمة الناس؛ فإذا استنفذت طاقتك واستفرغت جهدك فعليك أن تخلي المكان لغيرك) و (إلى رجال الأمن: حذار حذار من سفك الدماء؛ فلا يزال المرء في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراما) و (يا رجل الأمن: لَأن تلقى الله بكل خطيئة – سوى الشرك – أهون من أن تلقاه وقد سفكت دم مسلم) ، وقد وجدت هذه التغريدات وغيرها احتفاءً كبيراً من القحاتة وآلاف المشاركات. 

لكن ما إن هاجم الشيخ عبدالحي الوثيقة الدستورية العلمانية حتى شن القحاتة عليه هجمات شديدة تتركز أساساً على اتهامه بعكس محتوى تغريداته المحتفى بها.

اتهموه بأنه أفتى بقتل المتظاهرين، حتى أصبحت فتواه المزعومة هذه مسلمة لدى أغلبية أنصار قحت.

وهذا القلب لفتوى الشيخ عبدالحي يظهر مدى فجور ولؤم حملات الاغتيال المعنوي ومدى تصديق معظم القطيع لكل ما يُقال لهم مهما كان الكذب فيه مكشوفاً، ومدى استعداد بعض القطيع لترديد الأكاذيب وهم يعلمون إنها أكاذيب.

أصبح هذا هو ديدن دعاة الحربة مع كل شخصية عامة تتخذ موقفاًً من حكومتهم أو تتحدث عن الغلاء وسوء الحال، شيخاً كان أو مطرباً أو رياضياً .. إلخ .

والغرض الواضح من هذه الحملات هو تخويف كل شخصية عامة تسوِّل لها نفسها تصديق مزاعم الحرية وتتحدث عن سوء الحال، وأن يعلم كل من يفكر في ذلك أنه سيتعرض إلى حملة اغتيال معنوي لئبمة كاسحة ليس فيها خطوط حمر، وهذا يفسر الحملة القوية ضد المطرب كمال ترباس بعد شكواه من ضيق الحال. 

المعاناة ليس فريةً افتراها ترباس، بل واقع يعترف به الحاكمون، وبعضهم يصرح بتفهمه للاحتجاجات الشعبية ، وترباس لم يصل إلى مرحلة الخروج في الاحتجاجات ولم يحرض على الخروج، ولا أحد يجادل في أن المعاناة الآن أشد بكثير مما كان الحال عليه قبل عامين. 

فما الذي يحول الحديث عنها من موقف نضالي مشرف إلى جريمة سوى ضيق القحاتة بالرأي ورغبتهم في تكميم الأفواه ووضع ترباس في كل فم لا يطبل لهم.

أما إن كانت الحملة ضد كمال ترباس بسبب حديثه عن رغبته في الهجرة، فالهجرة يُفترض إنها حرية شخصية لا ينبغي أن يُلام الناس عليها، خاصةً من جماعات كانت تشجع الهجرة حتى إلى إسرائيل وتنظر إلى كل هجرة على إنها موقف نضالي محمود، خاصةً عندما يُنال اللجوء في دول الغرب بقصص مختلقة .. فمتى تربس القحاتة أبواب السودان ليبقى الناس بالداخل مطبلين أو صامتين؟!

زر الذهاب إلى الأعلى