صحيفة متاريس السودانية موقع إخباري

«العيكورة» يكتب: حتى لا نغني لشبابنا من بعد ما فات الأوان

بقلم: صبري محمد علي (العيكورة)

الجمعة الماضية نشرت لى هذه الصحيفة (متاريس) مقال بعنوان (من وين اجيب ليك العُذر من بعد ما فات الأوان) تناولت فيه بالنقد والتحليل استقالة الفريق الركن ياسر العطا عن رئاسة لجنة ازالة التمكين وجرت عادتى ان اختار مضمون الموضع قبل الشروع في الكتابة وقد يروق لى عنوان قبل البدء وقد أختاره من ثنايا السطور بعد انتهاء بناء المقال او اثناء التصحيح.

فبالامس راق لى أن أستمع لهذه الاغنية الرائعة للشاعر التجاني الحاج موسى من مؤديها الاساسي الفنان عبد الوهاب الصادق. فقد كان أداء رائع ومطرب مع آلة المندلين التي تكاد تنطق الكلمات نطقاً .

ثم قادنى فضولى ان أقرأ كلمات هذه الاغنية خلال الصفحات ومجموعات (الفيسبوك) . حقيقة ضحكت وحزنت في ذات الوقت حين أدركت أن شبابنا (مخموم) في كل شئ حتى في الاغاني فمنهم من يكتبها وبالالوان أن الاغنية آداء المطربة آمال النور ويكتب في خانة الشاعر (غير معروف)! يعني شبابنا (ساقط) حتى في الاغاني فما بالك من سهولة (خمه) في ترديد شعارات لو سالته عن إعراب كلماتها لوقف يسألك وماذا تعني بكلمة (إعراب)؟. 

بعضهم خريجي جامعات ويُخطئون في الإملاء! (طيب) دعونا من (حكاية) من بعد ما فات الاوان فما اوردتها إلا نموذجاً لحالة شبابنا وليس بحفظ الأغاني يُقاس وعي الشباب بالطبع .

ولكن الحقيقة المؤلمة اننا تركناهم (للميديا) توجههم وأهملنا التواصل المباشر معهم والنصح والتوعية والمحاضرات والليالي الثقافية فلم لا يجهل شبابنا تاريخ وطنه وجغرافيته وتراثه؟ لذا سهل على من يستهدفهم أن يصور لهم أن كل موروث ثقافى هو رجعى و بائد وحشوا عقولهم بكل فكر متمرد ضال بئيس حتى حرضوا الابن على امه وأبيه ومجتمعه . أطلقوا عليهم من النعوت ما يرضى فورة الشباب وتطلعاته (كالثائر) و(الكنداكة) و غير ذلك.

أين شبابنا من شعر الحماسة والوطنية ومن الثورة المهدية وفرسانها واين هم من عثمان دقنة والسلطان على دينار وهل يعلمون ان ميقات (ابيار على) بالمدينة المنورة سمي باسمه لانه اول من حفر أبار للحجيج والمعتمرين هذا غير (المحمل) كسوة الكعبة.

ماذا يعلم شبابنا عن السلطنة الزرقاء ورواق السنارية بالازهر الشريف وهل حدثهم احد عن بسالة ود حبوبه وهل استمعوا لسيد خليفة يصدح برائعته (عصار المفازة) حيث تجسد الكرم كما لم يجسده شاعرٌ من قبل.

هل حدثناهم عن الرئيس نميري و(قرش الكرامة) الذى رد فيه اعتبار الامة امام ليبيا عندما طالبت السودان باسترداد دين مستحق لها . 

هل حدثنا شبابنا عن عزة وكبرياء الزعيم الازهري في مؤتمر (باندونق) باندونيسيا العام ١٩٥٥م قبيل الاستقلال حين رفض الجلوس ضمن الوفد المصري بزعم انه لم يكن للسودان علم يومها فأخرج الازهري منديله وكتب علية باللغة الانجليزية (sudan) وجلس خلفه والوفد المرافق له حتى انتهاء جلسات المؤتمر،

وصفه الرئيس الصيني آنذاك بانه اعظم علم في التاريخ وما زال باقيا بمتحف المدينة التاريخي الى يومنا هذا . 

وهل يعلم شبابنا ان تصرف الازهري هذا قد اغضب المصريين يومها ولم يسمحوا لهم بالرجوع عبر القاهرة فعادوا عبر جدة السعودية وهل يعلم شبابنا ان الجالية السودانية هناك هى من تكفلت بتذاكر عودة وفدنا للخرطوم لعدم امتلاكه للنقود في اروع تكافل وطنى ادهش العالم الذى كان يتابع باعجاب.

لدينا الكثير الذى يمكن ان ننتشل به شبابنا من وهدة الضياع (الاسفيري) اذا حدثناهم عن مناقب هذا الشعب العظيم فلا تهملوا الشباب على حساب المعائش فإنكم بذلك ستهدمون وطناً وتطمسون تاريخاً هو جذوة تهتدي بها الامم لصناعة حاضرها ومستقبلها فاقتربوا منهم وحدثوهم عن كل جميل و رائع في هذا الوطن حتى لا يأتى يوماً نضرب كفاً بكفٍ نلوم أنفسنا ونردد كلمات التجاني حاج موسى وبحسرة (من بعد ما فات الاوان)!. 

قبل ما انسي : 

كنا في مجتمع القرية نذهب للجزارة صباحاً ونبادر للمدرسة ونبطشية كنس الفصل ونذهب للطاحونة ونترسل للبن عصرا ونلعب الكورة ونتسامر في النادي ونستمع لاحمد المصطفى والكابلي والجابري ونعلم اين تقع سنار ومروي وكوستي ولا نجهل اقليم السافنا ومحاصيله ونحدثك عن ميعاد هجرة البقارة لبحر العرب.

وكنا نجالس الكبار ونستمع اليهم في اهتمام وناتيهم بقهوة العصر حفظنا عنهم السرابة والانقايا والملود وعرفنا منهم حتى اسم المفتش الزراعي.

جالسنا الترزية والنجارين و(رواديهم) العتيقة ينبعثُ منها صوت عبد الرحمن احمد ومحمد خوجلى صالحين بنشرة الاخبار وما كان يعجزنا تسمية دول اوروبا الشرقية والغربية دولة دولة وماذا تعنى دول عدم الانحياز فأين ذهب هذا الجيل؟. 

* خاص بـ(متاريس)

التعليقات مغلقة.