صحيفة متاريس السودانية موقع إخباري

عثمان جلال يكتب: الثورة الضريرة

(1)

متطلبات تحقق مشروع الثورة والبناء الوطني الديمقراطي، قدر من الوعي والتعليم، ووجود كثيف للطبقة البرجوازية الوسطى صانعة الثورات عبر التاريخ ومرونة بين الطبقات تمكن من تعزيز دور الطبقة الوسطى، وقدر من التنمية الاقتصادية المتوازنة، ودور فاعل للنخب السياسية والثقافية اي القيادة، والقائد برمزيته هو الذي يلهم الوعي الاجتماعي، وتهفو إليه حركة الجماهير، ويسمو بها إلى روح الأمة، والوحدة الوطنية.

هكذا كان تركيز البروف محمد إبراهيم ابوسليم مصوبا للدور الطليعي لشخصية الإمام محمد أحمد المهدي في صناعة الثورة المهدية، فالمهدي من الشمال وحاضنته الثورية من الغرب وفقهاء الثورة من الوسط النيلي، واحد قادتها الكبار من الشرق، وتفاعل مع شعاراتها التحررية انسان الجنوب، فالمهدي عندهم هو المهدي دينق المنقذ والمخلص.

وقد كان المفكر على شريعتي الأيقونة الفكرية والثقافية الملهمة للثورة الإيرانية التي أطاحت بالنظام الشاهنشاهي، وقادت الثورة الفرنسية نحو تحقيق شعاراتها والمتمثلة في الحرية والعدالة والمساواة كتلة اجتماعية وطنية خرجة اتسمت بقدر من التجانس والتماثل وهي الطبقة البرجوازية والطبقة العاملة والجيش الفرنسي والقائد نابليون بينما تصدى لبناء القواعد الفكرية والدستورية لنظام الحكم الجديد (جان جاك روسو، ومونتسكيو، وفولتير).

(2) 

كذلك فإن الثورة الأمريكية ضد الاستعمار البريطاني أو ما عرف في التاريخ بحرب الاستقلال الأمريكية تصدى لقيادتها افذاذ مثل جورج واشنطون اول رئيس بعد حرب التحرير، وتوماس جيفرسون والذي وضع مبادي الدستور الأمريكي.

(3)
صنعت الثورة الإنجليزية نتيجة التدافع التاريخي المستمر بين كياناتها الثلاثة (الملك، البارونات، الكنيسة) حتى أثمرت تحررا من الاستبداد المطلق المؤيد بالحق الإلهي إلى الملكية الدستورية وذلك عبر أطوار من النضال ابتداء منذ العام 1215 رافعا شعار (الماغنا كارتا) أو ما عرف بميثاق الحرية العظيم.

واضطرد هذا الحراك الثوري حتى أثمر بإعلان الحقوق عام 1688 الذي صنعه البرلمان الإنجليزي والملك ويليام الثالث. ورسخ نظام وستمنستر الديمقراطي البريطاني الذي يباهي به الإنجليز في العمق المجتمعي على النحو الذي تعلمون.

(4)
هذا الاستدعاء التاريخي لظواهر الثورات العالمية ينم على أهمية دور القيادة، والمثقف العضوي في صناعة الثورة وغرس منجزاتها وقيمها في بنية مؤسسات الدولة والمجتمع المدني، وحفز المجتمع لحراسة وصيانة هذه القيم والمكتسبات.

(5)
إن مفهوم القيادة المعاصر تطور إلى ما يعرف بالقيادة الجماعية، وان كان ذلك كذلك فإن تجربة الفترة الانتقالية في السودان من تاريخ التوقيع على الوثيقة الدستورية وحتى اللحظة التاريخية الماثلة أثبتت ان قوى الحرية والتغيير التي تمارس الوصاية على الثورة تعاني من ازمة القائد الكاريزمي الملهم، وازمة القيادة المؤسسية الجماعية.

وتفتقر إلى المثقف العضوي الذي يلهم الثورة بالقيم الثقافية والفكرية والسياسية التي يستوي عليها نظام الحكم الديمقراطي المستدام،

وأثبتت كذلك افتقارها إلى التجانس والوحدة والتماسك حيث قفز حزب الأمة من مركب الثورة ثم عاد، وقفز الحزب الشيوعي، وانقسم تجمع المهنيين، وقفزت لجان المقاومة من مركب الثورة الغارقة في الفوضوية والاضطراب.

انها ذات الذهنية والسلوك الذي مارست به قحت المعارضة ضد نظام الانقاذ حيث شبههم المرحوم الخاتم عدلان ببخلاء الجاحظ جمعوا ما عندهم من لحم ووضعوه في القدر واوقدوا النار ووضعوا القدر لانضاجه غير أن كل واحد منهم امسك قطعة لحمة ورفعها وانتظر الآخرين، قدرهم واحد وقلوبهم شتى فبئس ما كانوا يفعلون.

إنها أزمة غياب الرؤية والسياسات والأهداف والبرامج، وازمة عدم التماثل مع شعارات التغيير والثورة الديمقراطية (حالة القناع والوجه والفصام النكد).

(6)
إن الأزمة السودانية التي تتمظهر في ظلالها السياسية غورها واصلها عميق انها أزمة سيادة بنية بطركية ثقافية وسط النخب السياسية الوطنية والمجتمع السوداني كرست إلى سيادة وعلو ثقافة الانا وتضخيم الذات، وثقافة الأيديولوجيا، وثقافة الحزب، ثقافة القبلية، ثقافة الهامش، ثقافة المركز، وثقافة الطائفية، ثقافة القائد للأبد، والزعيم الخارق، وتهميش ثقافة البناء الوطني الديمقراطي.

ولذلك في رأي ان نجاعة الحل تتجلى في ثورة وطنية ثقافية شاملة تصنعها كتلة تاريخية حرجة مستدامة وفي طليعتها القيادية كل الأحزاب الوطنية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار ، والمؤسسة العسكرية، وقوى الهامش المسلح، والمثقفين ، والمجتمع المدني، والمجتمع الاهلي، والكيانات الدينية، والطرق الصوفية لانهاء هذه البنية الثقافية الموروثة والبالية، وغرس ثقافة مشروع وطني ديمقراطي جديد كمنصة تأسيسية لعملية تلازم بناء الدولة والأمة والهوية السودانية.

(7)
عندما تستفحل الأزمة الثقافية في دولة هشة لا زالت رهن التفاعل والتشكل كالسودان، فإما التصدي لحلها بعزم وإرادة العظماء والكبار أو الانكفاء في كهف الثقافة القديمة التي أنتجت الأزمة وانتظار التفكك والانهيار الشامل.

ونسأل الله أن يحفظ السودان.

التعليقات مغلقة.