صحيفة متاريس السودانية موقع إخباري

إبراهيم عثمان يكتب: سلك في السلك!

(الطريقة الوحيدة لمواجهة الخيبات المتوالية ، هي أن يعشق المرء فكرة الخيبة نفسها. إذا أفلح المرء في ذلك؛ لا يعود يفاجئه شيء، يسمو فوق كل ما يحدث، يصبح الضحية التي لا تقهر.) – إميل سيوران. 

قليلٌ من الساسة من يمتلك شجاعة الإعتراف بأنه وحزبه يقولون ما لا يفعلون، أو يقولون ما يفعلون نقيضه. هكذا اعتراف – إن حدث – يكون عادةً بعد تورط كبير ثابت مجمع على وقوعه ولا يمكن لألاعيب الساسة أن تغطيه، والمفروض أن هذا الاعتراف الكبير يحمل وعداً معمداً بالندم وبمرارة الإعتراف وشدته على النفوس بعدم التورط مستقبلاً في الممارسة محل الانتقاد. وأن أي وجود في السلطة سيكون فرصة لكفارات واعتذارات عملية . اللهم إلا إن كان الأمر مجرد تأنق نظري من قبيل رومانسيات ما قبل الاختبار العملي.

عندما أطلق خالد عمر يوسف (سلك) اعترافه الشهير قلت لنفسي نحن أمام سياسي من نوع مختلف يملك الجرأة على الاعتراف خاصةً وأن الاعتراف لم يكن بشئ هامشي ولا بكلمات حمالة أوجه وإنما بكلمات شديدة الوضوح وعن أساس تفكير الأحزاب اليسارية وخططها للسيطرة بعيداً عن آليات الديمقراطية، وعن سر فوبيا الانتخابات وعقدة الصناديق، وهما الفوبيا والعقدة اللذان يجعلانها تتمسك بفترة انتقالية طويلة تتيح لها فرصة الحكم الذي لا تناله بالانتخابات، وهذا يتضمن اعترافاً ضمنياً بعدم شرعيتها التمثيلية للجماهير في فترات الانتقال مهما تمسحت بالتفويض “الثوري”.

فمن يوقنون بعدم انتخاب الجماهير لهم هم أكثر قناعةً بعدم شرعيتهم التمثيلية “الثورية” ببساطة لأن الشرعية الثورية المدعاة ستُستغَل في تطبيق المشروع المنفر المعزول شعبياً الذي يعترفون بعدم قدرته على المنافسة في الانتخابات ناهيك من الفوز الذي يعطي تفويضاً كاملاً.

وبالتالي سيكون تطويل الفترة الانتقالية ( الذي حدث هذه المرة أكثر من أي مرة سابقة) من أجل التمتع بالسلطة وفرض المشروع هو مؤامرة كاملة الأركان على الجماهير لا حراسة “ثورية” لتطلعاتها وأحلامها.

كان تصريح خالد سلك قبل التغيير الأخير في الحكم، وكان يؤشر لممارسة مختلفة منه ومن حزبه على الأقل، إذا أسعدتهم الظروف بفترة انتقالية يختبرون فيها صدقية اعترافهم والتزامهم بعدم تكرار لعبة التمسح بالديمقراطية قولاً وذبحها عملاً.

لكن المفاجاة كانت أن التنكر للوعد بدأ منذ الأيام الأولى للتغيير حيث انغمس الحزب بكلياته في النهم والشره الانتقالي، ولم يُسجَّل له أي اعتراض على تطويل الفترة الانتقالية منذ البداية، أو على تمديدها مرة أخرى. وكان لافتاً أن الحزب قد دشًّن مسيرة التنكُّر بنفي رئيس الحزب عمر الدقير أن يكون خالد سلك قد قال ما قاله!

ثبت لاحقاً أن خالد سلك بالذات كان أكثر أعضاء حزبه إصراراً على أن تشهد الفترة الانتقالية تطبيق أهم ما يصنع فوبيا الانتخابات وعقدة الصناديق، فقد تحدث بكل وضوح عن إيمانه بضرورة تطبيق العلمانية في الفترة الانتقالية، وحزب المؤتمر السوداني كان من أكثر الأحزاب تأييداً لكل ما تم حشو الفترة الانتقالية به من أفكار اليسار غير الشعبية في القوانين والتشريعات ومناهج القراي، بل وحتى في التطبيع الذي تحفظت باقي الأحزاب اليسارية عليه تحفظات خجولة حيث انفرد المؤتمر السوداني، ولم يشاطره هذا الموقف إلا الجمهوريين .

ظهر خالد سلك خطيباً حماسياً يبشر الجماهير بأن “الثورة” (لم تأتِ لزيادة رهق الناس وأنها أتت من أجل توفير الوقود والكهرباء والخبز والمواصلات .. الخ) لكن الذي يعلمه الجميع أن حكومة قحت زادت رهق الناس لا بعد سعي للعكس والفشل في تحقيقه ولكن بقرارات قاسية لرفع الدعم ، وحزب حزب المؤتمر السوداني تفرد بعدم وجود تحفظات أو اعتراضات قوية أو حتى خجولة على سياسات رفع الدعم شديدة القسوة.

ختم خالد سلك تنكره لوعوده بتوليه للمنصب الوزاري بعد التزام قاطع بأن المرحلة الانتقالية للكفاءات الوطنية المستقلة، وأنه لن يقبل بأي منصب وزاري وأن مكانه هو الشارع بين الجماهير (أنا القدامكم دا لا بتشوفوني وزير ولا داير لي وزارة..) والراجح أنه سيستمتع بالمنصب الذي لا تؤهله له انتخابات، وسيسهم “بكفاءة قاتلة” في تطبيق المشروع غير القادر على المنافسة كسياسي “في السلك” بحسب المصطلح الراندوكي القديم، أي ماهر ويمتلك – على عكس الوزراء المقالين الذين لا يجيدون الحديث – مهارة التنقل برشاقة بين الأقوال والمواقف المتناقضة، ومهارة الفصاحة التي تدافع عن كل موقف بما يلزم من حجج مناسبة.

والراجح أنه سيمضي بعيداً في صناعة وتجميل المزيد من مسببات خيبة المخمومين إن لم يكونوا قد وطنوا أنفسهم عليها بعد أن تلقوا تدريبات كافية طوال الفترة الماضية ليكونوا ضحايا/جلادين مثاليين، خاصةً وأن معظم الأعلاف للتغطية على الفشل والاستهبال الانتقالي تتركز على الدوس والبل والصراخ .

التعليقات مغلقة.