صحيفة متاريس السودانية موقع إخباري

عادل عسوم يكتب: زهرة العوير

وصل إلى السودان خلال إجازته السنوية، لتشرع شقيقاته الثلاثة في البحث له عن زوجة.

بدأن ببت العمدة، وهي زميلة دراسة لاحداهن: ياخي دي شايفة نفسها على الفاضي، وعلي العليها راسا فاضي؛ قالها في نفسه ولم يبدها لهن، ومن صمته فهمن بأنها لم تَرُقْهُ.

– طيب رأيك شنو ياعماد في بت جارنا دكتور يوسف عميد الكلية؟
– مامتذكرا كويس، فأتين بها إلى البيت، وقف شاخصا في مدخل الصالة حيث يجلسن، وفي ثنايا سيناريو (دُبِّرَ بليل) قال:
– شكلكم معاكم ضيوف.
– دي جارتنا لينا بت دكتور يوسف ياعماد.
– ياسلام ياخي، دكتور يوسف دا اتعلمنا منو الكتير، ان شاء الله بخير يا لينا.
– الحمد لله، والحمد لله علي سلامة وصولك.
– الله يسلمك.
ويتواصل الحديث معها بعد ان تفرقن في المنزل كل منهن بعذر وهمي، لكنه لم يجد فيها مراده.

عماد نشأ بعيدا عن عوالم النساء، هو الابن البكر والأوحد، تصغره شقيقات ثلاث، وظل منذ يفعه يساعد والده في الساقية، والجميع يشهد بأنه قد ورث عن والده حياءه وتدينه وهدوئه.

قالت أخته الصغرى:
– انت هويدا بت خالي عمر رأيك فيها شنو؟
ردت عليها الأخت الكبرى سعاد.
– هويدا دي بالذات مابتنفع مع عماد، عماد جنو وجن الكلام الكتير، وهويدا دي بالعة ليها رادي.
فيعلو صوت الوالدة من المطبخ:
– انت عاد يا سعاد من يومك مابتدوري هويدا عشان اختلافكم في السياسة، خلي أخوك هو اليقرر.
فيرد عليها عماد:
– أمي والله اخوالي واعمامي وأولادم وبناتم كلهم فوق راسي، لكن أنا قلت ليكم من زمان إني ماعاوز أي واحدة من الأهل، خاصة الأعمام والأخوال، والرسول صلى الله عليه وسلم قال اغتربوا ولاتضووا.
– صلى الله عليه وسلم، انتا عارفني ياولدي عمري ما حافرض عليك أي واحدة، وربنا يحفظك مما قمت ماسك درب ربنا، عشان كدا ماعندي شك انو ربنا حيديك بت حلال البترضيك.

– الله يطول لينا في عمرك يمة ويبارك لينا في صحتك، انتي خيرنا وبركتنا، وربنا يرحم ابونا الطول عمرك ماقصرتي في حقو، وكانت آخر كلماتو لينا: (أمكم دي فضلها عليّ كبير يا اولادي، والعملَتو معاي في مرضي الطويل دا مابيتعمل، لو ربنا شال امانتو ابقوا عشرة عليها)، فترد عليه سعاد بصوت خفيت:
– بالغت ياعماد، خلاص ذكّرتها تاني حتقعد تبكي للصباح، ونوم ماحتنومو، ثم ترفع صوتها في مسعى منها لتغيير دفة الموضوع:
– غايتو يا أمي عماد دا بي طريقتنا دي لابيعرس لينا ولاحاجة، انا رأيي انك بس تتوكلي وتختاريهو ليهو واحدة، وانا واثقة أنو ماحيقول ليك لا.

وعندما طال صمت الوالدة؛ ذهب عماد إلى المطبخ وقبل رأسها وقال:
– الليلة يا أمي عندي مزاج تعملي لي بي ايدك البركة دي شاي المغرب، ماعاوز ولاواحدة من اخواتي ديل تعملو لي، وخلي انتصار تجيبو لي برة، عاوز اقعد شوية قدام البيت.
أخرج مقعدا اعتاد المرحوم الجلوس عليه أمام المنزل وجلس عليه.
نظر إلى اليمين فإذا بعدد من شجيرات العوير تنتظم على جانبي مجرى التصريف من حمام جارهم محمد عثمان الخضرجي.
بدت له أزهارها في غاية الجمال!.

ما اجمل تلاقح اللون الأبيض مع البنفسجي!
لكأنه لم ير زهورا بهذا الجمال من قبل.
وفجأة، تلوح له وفاء إبنة جارهم هذا وهي تكنس المكان بين يدي شجيرات العوير.
بدت له بكامل البهاء، إنها فارعة الطول، وهي التي يعلم تخرجها العام الماضي في كلية التربية قسم الرياضيات، وكانت هذه رغبتها، إذ قالت بأنها ترغب في مساعدة والدها كمعلمة في المدرسة الثانوية، علما بأن مستواها الدراسي كان يؤهلها لدراسة الطب او الهندسة؛ لكنها آثرت كلية التربية قائلة بأن دراسة الطب تستغرق سنوات طويلة، تكاليفها المادية فوق طاقة والدها.

أخرجته وفاء من توهانه منادية:
– سلامات ياعماد.
الليلة حقو الزول يرش الشارع دا عشان قعدتك الذكرتنا المرحوم الله يجعل مستقرو الجنة.
ياااااه
لماذا لم يفكر في وفاء؟!
ولماذا لم ترشحها شقيقاته؟!
– الله يسلمك يا وفاء، تصدقي أول مرة أشوف زهور الخروع دي بالجمال دا.
– هههههة، يا أخي الله يجبر بي خاطرك ياعماد، عاد الليلة عويرنا بالغ، ثم أردفت:
– عاين ياعماد، ابوك الله يرحمو لمن كان بقعد هنا وكان بقعد معاهو أبوي؛ كنا مرتبين خالتي السيدة من عندكم بتعمل الشاي وأمي بتعمل الجبنة، والجبنة هسّي عملناها وجااااهزة والله، خليني اجيبا ليك.
– لا لا ماتجيبيها، انا جايي اشربا عندكم.
– تشرّف، طوالي والله.
وتعالى صوتها منادية:
– يا انتصار…
ياسعاد…
ياخالدة…
عليكم الله تعالوا كلكم ومعاكم خالتو السيدة اشربو معانا الجبنة.

توقف عماد للحظات أمام شجيرات العوير يتلمس ازهارها ببهائها العجيب، لقد وجدها جميلة حد الادهاش!
لماذا لم ينتبه لزهور العوير الجميلة هذه لسنوات، والمسافة بينها وبين باب بيتهم الخلفي أمتار قليلة؟!

طرق الباب فإذا بأم وفاء هاشة وباشة تقول:
– الليلة دا مسا جمييييل الجابك لينا ياعماد ياولدي.
فقال لها وهو يرمق وفاء، وكأنه يراها لأول مرة!
– بالجد متلوم والله ياخالة، لكن إن شاء الله تاني ما انقطع منكم باقي العمر كلو.
– ان شاء الله عمرك طويل ياولدي، انت يكفيك رضى المرحوم أبوك ياولدي ابوك سمع اضاني قال في آخر كلامو (عافي منك ياعماد ياولدي).

جاءت الوالدة بعد أن اقنعتها وفاء بأن تدع مابيدها وبرفقتها شقيقاته، وسرعان ما جيئ بالشاي والجبنة معا، جاءت وفاء تحمل صينية الشاي وشقيقته انتصار تحمل صينية الجبنة، تابع وفاء وهي قادمة فإذا هي ممشوقة في لين كسيسبانة، وتعلوها ابتسامة كالتي غنى لها محمد الأمين، وضعت مابيدها فإذا بقلبه يخفق ويغني:
الشاي باللبن
برادو لابس تاج
صينيتو الدهب
ترقش كبابي زجاج.

ومضت الساعات قصار ولسان حالهم جميعا يغني:
ود باب السنط
والدكة والنفاج
والحوش الوسيع
للساكنين أفواج

عماد ووفاء الآن لديهم من الأبناء والبنات ثلاث، والرابع في الطريق.
وعندما سأل شقيقاته عن سبب عدم ترشيح وفاء أجمعن بأنهن نسينها، فهي من ألصق الجيران بهن، ومافيها قول؛ قالت ذلك أمه وشقيقته سعاد بصدق، فقال وهو ينظر إليها بحب، وعن بعد، وهي منشغلة في تهيئة ابنتهما الكبرى للمدرسة:
– الله يلعن الفقر الكان حيضيعك مِنِّي ياوفاء.

adilassoom@gmail.com

التعليقات مغلقة.