صحيفة متاريس السودانية موقع إخباري

عادل عسوم يكتب: إلى دكتور جبريل مع التحية

أعرف الدكتور جبريل إبراهيم منذ سنوات، فقد جالسته كثيرا عندما كان محاضرا هنا في السعودية، إنه حقا من أهل الاقتصاد يعلم بمكنوناته، وهو شجاع لا يخشى في الله لومة لائم، ويَقْدُم على الذي يؤمن بهمّة دون أن يوصد باب القبول بالنصيحة من الآخرين، ولا أزكيه على الله فهو من قبل ذلك متدين يخشى الله ويتقيه.

لقد سعدت حقا بخبر إنشاء مصنع ثان لتصنيع الصمغ العربي داخل السودان وايقاف تصديره خاما، ومعلوم يقينا إن تعويم الجنيه؛ أهم ما يسنده السعي حثيثا لتصنيع خاماتنا العديدة التي حبانا الله بها عوضا عن ان يفيد منها من هب ودب ليعاد تصديرها بإسم دول أخرى!.

وبالطبع فإن التعويم تلسع سياطه الفقراء منا واصحاب الدخل المحدود، وهنا لا يفوتتي الإشادة ببرنامج سلعتي الذي شرعت فيه الحكومة الحالية، وليته يكون تبعا لوزارة المالية لتشرف عليه بنفسك يا دكتور جبريل، كما أرجو أن تكون إدارته الحالية مختارة بعناية، وليست من اختيارات قحت التي يغلب عليها النطيحة والمتردية.

وأدعو كل حادب على السودان وأهله من زملائي من اهل المنافي الحرص على التحويل عن طريق البنوك بدلا عن السوق الأسود، وعلى نظامنا المالي التهيئة والاستعداد لذلك، وأدعو مدراء البنوك وإداراتها إلى الصدق في التعامل مع كل دولار او ريال يتم تحويله عن طريقها.

المقال التالي كتبته عام 2016 خلال حكم الإنقاذ، وأعيد نشره الآن.

وكنت أرغب في اقتصاص فقرة الحديث عن سياسة جديدة تُعنى بالمغتربين -وهي مرادي منه- لكنني آثرت ايراده كاملا للفائدة.

عنوان المقال:
لماذا رفع الدعم وبين يدينا البدائل؟!

الله جل في علاه عندما امتن على أهل قريش في مكة المكرمة، امتن عليهم بالاطعام من جوع والأمن من خوف، وهذان لعمري أوجب واجبات أيما حكم راشد تجاه شعبه، وإلاّ فلا مناص من الاعتراف بالفشل ومن ثم التنحي طالما كنت ادّعي اهليتي للحكم!.

لقد فاجأتني -كسواي- الزيادات الأخيرة والتي لا أخالها بأي حال من الأحوال رفعا للدعم عن سلع بعينها، إنما هي ضريبة غير معلنة اقترحها اقتصاديون كي تضاف على قيمة أكثر السلع إستيرادا، وبالتالي أكثرها استهلاكا، وتلك لعمري ممارسة اقتصادية يحمل وزرها في البدء البنك الدولي، ثم اصبحت (روشتة) تسعى إليها حكومات عالمنا الثالث، إذ بالطبع فإن الأمر من حيث الحسابات الاقتصادية صحيح، لكون الدخل المادي المرتجى مُجٓزٍ جدا، وسريع النَّيْل، لكن هل ينبري السؤال:

*هل يتسق ذلك -حقا- مع الواجهة المرفوعة بحكم راشد يتقي الله في العباد استصحابا لِقيمة الاطعام من جوع والأمن من خوف؟!…
بالطبع والف لا.

فلَإن سلمنا بأن سياسات حكومتنا الحالية قد استطاعت-بجهد جهيد- الحفاظ على امن الناس بصورة تلامس بعض الرضى الا ان لجوئها الحالي الى زيادات اسعار الوقود والقمح وتعرفة المواصلات والتي ستتبعها زيادات موازية -تلقائية- لسلع وخدمات اخرى عديدة نتاج ما يسمى بمتلازمة الترابط المتوالي للأشياء.

يكون وقعه ثقيلا على كاهل المواطن المثقل اصلا بالكثير من اوجه الصرف الواقعة عليه في جل مساقات الخدمات من تعليمية وصحية وفواتير للكهرباء والماء ثم ضرائب على السكن وكل مايلي حراكه الاستثماري حتى ان كان (صبي درداقة)!.

ولَإن كان المعلوم -اقتصادا- بأن الدافع الأساسي لهذه الزيادات هي الاجتراء على الندرة في العملة الصعبة -كما درجت التسمية- فهل هناك بديل اقتصادي علمي يستطيع المُشَرِّع الاقتصادي الركون اليه لتوفير تلك العملة اللازمة للتسيير الاستثماري وايفاءِ وارادات البلاد من الدواء ومدخلات الانتاج والوقود والقمح وسواها من المواد اللازمة لحياة الناس ومعاشهم؟.

نعم هناك بديل يتسق مع الراية القِيَمِيّة المرفوعة ويتناغم كذلك ويتماهى مع مِنَّةِ الاطعام من جوع الربانية وهي كالآتي:

1- الخلوص الى استراتيجية مدروسة للتعامل مع أكثر من سبعة ملايين سوداني يعيشون في المنافي علما بان السودانيين هم من اكثر شعوب العالم ارتباطا وجدانيا بوطنهم الاول ولو نالوا هوية وطن ثان.

اذ يترى ارتباطهم بالسودان حتى الجيل الثاني على اقل تقدير وبالتالي تظل اياديهم سخية بالمال وصلا لرحم أواستثمار على أديم أرضه ومائه وسمائه يضاف اليهم نصف آخر يقيم في دول الخليج وبعض دول أفريقيا وآسيا ودول اخرى.

فأهل المنافي هؤلاء قد استطاعت بعض دول العالم ان تجعل من تحويلاتهم ومدخراتهم اهم مصدر لها لتوفير العملة الصعبة للصرف على الواردات بل وصلت دولة مثل إثيوبيا الى مرتقى يعينها علة الصرف على مشروعات استثمارية وتنموية ضخمة مثل سد النهضة وخط القطار الحديث الذي يربط إثيوبيا بدولة جيبوتي وصلا بالعاصمة أديس أبابا ومن ثم خطة جادة تتبع لايصال الخدمة الى مدن أخرى داخلية!.

وهناك لبنان الذي تعتبر وزارة المغتربين فيه من أهم الوزارات في الدولة لما ترفده الخزينة العامة من عملات صعبة!.

وكذلك مصر الغارقة في الفشل الإداري فقد ظلت تحويلات المغتربين فيها من أهم مصادر العملة الصعبة بعد وزارة السياحة بل استطاعت تلك التحويلات ان تفوق ايرادات السياحة خلال السنوات الاخيرة!.

ولَإن رافقت خطة الزيادات الاخيرة في اسعار المحروقات والقمح وتعرفة المواصلات طرْحٌ يستصحب تحويلات مغتربينا إلا انها كانت خجولة ومبتسرة لكونها مافتئت تتعامل مع المغترب السوداني بذات النظرة القديمة وهي تسمي عرضها الهزيل للمغترب بالحافز ولا اعلم لو انهم طرحوا له ذات طرح الحكومة الإثيوبية لمغتربيها او حتى المصرية لمغتربيها ماذا تراهم يجعلون التسمية؟!.

فالإثيوبي لايدفع ايما ضريبة للدولة وعوضا عن ذلك فانه ينال الكثير المثير من العطايا من حكومته ومن ذلك قطعة ارض سكنية واخرى استثمارية تتبعها تسهيلات بنكية مجزية للبناء اضافة الى عطايا اخرى عديدة طالما التزم وأكمل المبلغ المرصود للتحويل دون أن يرتهن ذلك بالعودة النهائية الى بلده لأن حكومتهم تضع في الاعتبار امكان استقرارهم في وطنهم الثاني.

اما المصري فانه يدفع لبلده عُشر مايدفعه السوداني لبلده وبرغم ذلك ينال اعفاءات كاملة لكل ما يؤمن له حياة مستقرة لدى عودته ومنها تسهيلات للسكن واعفاءات للأثاث بل يصل الامر الى سيارة معفاة تماما من الجمارك وكذلك كل مايعينه على نشاط استثماري من اجهزة ومعدات ومواد تعينه على استثمار جديد للاستقرار النهائي في بلده!.

ولعمري فان الفارق ما بيننا وبين أولئك وهؤلاء هو عدم تمكن حكومتنا من استقطاب مدخرات المغترب وتحويلاته فتعمد الحكومة الى تطفيشه بما تفرضه من ضرائب تثقل كاهله.

فيجد نفسه مضطرا الى التحويل من خلال قنوات السوق الاسود ملايين أضعاف ما تنتزعه الحكومة منه من ضرائب وزكاة ورسوم خدمات!.

فلو إنا افترضنا بأن ال7 ملايين مغترب سوداني هؤلاء قد ادرجوا في مضابط جهاز المغتربين واعتبرنا بان متوسط ما يتوقع ايراده من ضرائب وزكاة ورسوم خدمات بواقع خمسمائة دولار سنويا فلنقايس الامر مع ما قرأته من قبل بان تحويلات المغتربين السودانيين من خلال قنوات السوق الاسود خلال عام 2014 لوحده قد تجاوزت المليار دولار على اقل تقدير وذلك من خلال متابعة لحجم العملات الصعبة التي تُدولت في السوق السوداني بنهاية ذاك العام!.

استصحابا وبناء على ذلك لماذا لا تراهن حكومتنا على تحويلات المغتربين دون هذه الضرائب التي تنفر ولا تكاد تضيف الكثير الى الخزينة؟!.

2- التعويل على الاستثمار الداخلي -مهما صغر ماعونه- وذلك من خلال تغيير اسلوب الجبايات العقيم والذي ادى الى جَبِّ أيما نية لاستثمار للعديد من السودانيين لما عانوه من وطأة الضرائب والجبايات العديدة حتى وصل الامر بالعديد من المستثمرين الصغار الى ايصاد ابواب موائل استثمارهم والانخراط في الاستثمارات الجبانة من أراضي وعقار حتى اصبح سعر متر الأرض في بعض أنحاء العاصمة السودانية اغلى من رصيفه في مانهاتن!.

أما كبار المستثمرين فحدث ولاحرج عن إثيوبيا الجارة التي استقطبتهم بسبب قانون الاستثمار المغري فيها حيث الارض بالمجان والاعفاءات الضريبية لسنوات الى أن تستقر المنشأة وتبدأ في جني الارباح وهي -أي الضرائب- بعيد ذلك لا تقارن البتة بكم وحجم الضرائب التي تلزمهم بها حكومتنا!.

3- السعي الى النهوض بالزراعة والتصنيع الزراعي والحيواني الى مداه الذي يليق بالسودان كسلة للغذاء زرعا ومنتجات حيوانية وفي البال تجربة ماليزيا التي زرع شعبها اكثر من مليون فسيلة نخلة زيت فاذا بماليزيا بعد اعوام قلائل تصبح في طليعة منتجي ومُصدِّري زيت النخيل في العالم والتحية واجبة لقائدها مهاتير محمد.

وكذلك تجربة هولندا في مجال الألبان وتجربة أستراليا في مجال تربية الخراف آخذين في الاعتبار عشرات الآلاف من شبابنا من خريجي كليات الزراعة والبيطرة والإنتاج الحيواني ممن ينخرطون الآن في أعمال ووظائف لا علاقة لها البتة بمساقات دراستهم هذا إن وجدوا لهم وظيفة في الأصل!. 

اقول ذلك وفي الخاطر الكثير مما وصل إليه العالم من تقانات حديثة منها البيوت المحمية وتقانة التهجين والتحسينات السلالية وقد استطاع العديد من علمائنا وطلاب الدراسات العليا لدينا الخلوص الى نتائج مذهلة في ذلك حتى لبعض مراكز البحوث العالمية!. 

وهناك ايضا الكثير المثير مما يمكن ان يصبح موئلا لصادر تتعطش له جل أسواق العالم -ان لم يكن كلها- ومن ذلك صمغنا العربي الذي علمت بانه عماد لأكثر من ثلاثة آلاف نوع من الصناعات الغذائية والدوائية.

وهناك امكانياتنا المهولة بأن نصبح في صدارة منتجي ومصدِّري مكثفات المانجو وفي الخاطر غابات المانجو في جنوب كردفان والنيل الأزرق وكذلك العديد من الفواكه كالبرتقال والليمون والقريب فروت الذي أثبتت الدراسات الكيميائية والطبية بأنه افضل مذيب للكولسترول في الدم.

ثم منتجات عديدة كالشمام/القاليا المرغوب جدا في أوربا ثم حب البطيخ الذي يباع نصف الجرام منه على متن الطائرات بما يعادل الدولار الامريكي وكذلك منتجات الجلود وهذه بقليل من التقانة يمكننا ان نحيل الآلاف من المشتغلين فيها يدويا الى منتجين تنافس احذيتهم ومحافظهم الجلدية الK shoes والكريستيان ديور.

وتترى منتجات لنا أخرى كالكركديه والتبلدي وكذلك القمح الذي اثبتت التجارب بان الولاية الشمالية لوحدها يمكنها ان تكفي العالم العربي ان زرعت قمحا وكذلك الكثير الكثير من منتجات ارضنا الطيبة!. 

كل ذلك لايحتاج إلا إلى اتفاقات مع أيما بيت من بيوت الخبرة العالمية العديدة المنبثة في دول العالم اذ تمتلك كل ما يلزم من تقانة وخبرة ومال والعديد منها مافتئ يبحث عن فرص للاستثمار في أيما بقعة يسودها مايسودنا من سلام في هذا العالم.

وان لم نجد فهناك العديد من الحكومات أو الشركات أو البنوك في دول ليس بيننا وبينها ما يضير مثل تركيا وماليزيا والصين ولا نغفل أيضا عن الآلاف من مغتربينا ممن اكتسبوا خبرات استثمارية عديدة في ارجاء هذا العالم المترامي الأطراف فلماذا لا نفعل ذلك بدلا عن رهق الزيادات ورفع الدعم و(حلب التيوس) من خلال الضرائب المرهقة على اهل المنافي منا؟!. 

adilassoom@gmail.com

التعليقات مغلقة.