صحيفة متاريس السودانية موقع إخباري

إبراهيم عثمان يكتب: الدولة السائلة

(السيولة هي الصلابة الوحيدة، واللايقين هو اليقين الوحيد!) – المفكر البولندي زيجمونت باومان. 

( لا يوجد شئ يُسمَّى ثوابت الأمة السودانية، والحكومة تملك القدرة السياسية على اتخاذ القرارات الكبري لأنها ليست حكومة انتقالية تقليدية، وإنما حكومة “تأسيسية”.. والسياسة الخارجية لا ينبغي أن تحددها اتجاهات وقناعات ايدلوجية فردية أو حزبية) – وزير العدل نصر الدين عبد البارئ. 

أتت خطوة تعويم الجنيه كتتويج لتسييل وتعويم شملا كل شئ تقريباً : الدين، الاقتصاد، السيادة، الأمن، الأخلاق، القيم، المبادئ .. الخ، ولهذا لم تكن مستغربة، فالحكومة الحالية تمتلك قدراً كبيراً من “شجاعة” المصادمة وجرأة الإلغاء والتسييل والتعويم والتغيير الجذري الكاسح الذي لا يراعي الحساسيات، ولا يقيم وزناً للاعتراضات على الصعيدين المعنوي والمادي.

فمراعاة الشعب في عقيدته ومعاشه، كثابت يجب أن تلتزم به أي حكومة، قد ذهبت مع الثوابت الملغاة، بل إن الحكومة التي تلغي كل الثوابت، أو بالأحرى تسيلها وتسعرها وتبيعها للغرب، ترى بأنها رغم ذلك -بل بسببه – الأحق بالتفويض المفتوح والأحق بصبر الشعب على قراراتها الاقتصادية مهما كانت قسوتها!. 

والمفارقة أن ما كان النظام السابق المتهم من قبل القحاتة بتجويع الشعب يتهيَّب عُشرَه من القرارات الاقتصادية القاسية أصبحت الحكومة تتخذه بسهولة في جلسة واحدة، تتلوها اعتراضات باهتة وسائلة من الحاضنة، سرعان ما تتحول إلى تأييد خجول ثم كامل ومواجهة شرسة لكل المعترضين الجديين، أما الجيش الإلكتروني للحاضنة فهو عادةً لا يمر بمرحلة الاعتراض والتحفظ بل يقوم من البداية بالدفاع المستميت عن الخطوة المُعترَض أو المُتحفَّظ عليها من الأحزاب التي ينطق باسمها.

سيولة الوضع الحالي وتعويمه لكل شئ تتبدى في جوانب كثيرة، من بينها أن وزير العدل -الذي يلغي كل الثوابت ويهزأ بأحزاب الحاضنة وأيديولجياتها والذي يثبت بأن هناك مركز قرار استراتيجي خارج أحزاب الحاضنة- كان معلوماً أنه الأكثر حظاً بين الوزراء للإستمرار في الحكومة الجديدة بإجماع كل الأحزاب، بما فيها حزب الأمة الذي كتبت نائبة رئيسه د. مريم المهدي قبل شهور مخيرةً الوزير بين الاستقالة أو الاقالة أو الاعتذار!.

هذه الأحزاب تعلم بأن الوزير يمتلك كل مقومات البقاء في الوضع السائل الحالي بجنسيته الأمريكية، وبأفكاره التي تتطابق مع ما تريده دولته الأم المسيطرة على تفكيره من السودان، وبجرأته وتصرفه بمقتضى مقولته هذه التي تجعل السودان أرضاً بكراً متخففةً من “أثقال” دينها وثوابتها ومبادئها وجاهزة لمشاريع العولمة والدخول الطوعي تحت وصاية المركزية الغربية التي يصدر عنها الوزير كأحد أبنائها، ويحولها إلى أيدلوجيا بديلة متعصبة يتم فرضها قسراً على الشعب.

وإن أزعج بعض أحزاب الحاضنة قليلاً بطريقة حديثه عن أيديولوجياتها التي يجب تجميدها، فإنه سيسعدها كثيراً في العلمنة وتعديلات القوانين.

وإذا جمعنا بين نفيه القاطع لوجود الثوابت ونفيه للطبيعة الانتقالية لحكومته ووصفها بالحكومة التأسيسية، فسنجد أنه وزير متسق الأفكار فالطبيعة لا تقبل الفراغ، والدولة السائلة الخالية من الثوابت المنبتة من جذورها -أو ما يبدو لبعض أبنائها كثوابت وجذور كما يقول الوزير – تحتاج فعلاً إلى تأسيس جديد انطلاقاً من الصفر أو ما تحته بتفويض يفوق حتى تفويض الحكومات المنتخبة .

الوزير الآخر الذي استفاد من حالة السيولة، كمتأثر بها ومؤثر فيها، وعبر بالإجماع الداخلي القحتي والخارجي الغربي والإقليمي إلى الحكومة الجديدة ممثلاً لحزب الأمة هو نصر الدين مفرح، فللرجل اسهاماته المقدرة في تسييل وتمييع الحالة الدينية بالقدر المطلوب غربياً ومن الأحزاب العلمانية، وله دوره الكبير في تضخيم التنوع الموجود ( ستكون هناك إدارة جديدة “لإبراز” التنوع، وستكون هناك سياحة دينية “لإبراز” حجم التحولات والتدين التراكمي في السودان)، فمهمته الأولى هي إبراز التنوع كحقيقة مركزية تنتج عنها مشكلات كبرى يصنعها الإسلام ولا تحلها إلا العلمانية.

ولأن المسيحيين عددهم قليل ولا يفي بالحاجة فلا بد من البحث عن أقليات أخرى وتضخيم حجمها من الداخل (عبدة الأحجار) والخارج (اليهود) لزيادة التنوع وبالتالي تسييل الحالة الدينية وتقوية حجة العلمانيين لمحاربة الشريعة وتهميش الإسلام.

في دولة سائلة تماماً لا بد للجنيه أن يساير ويعوم، بل إنه تأخر كثيراً في الخطوة حتى تعاظمت حالة السيولة وملأت الدنيا وعمَّقت القاع، وبعَّدت الشقة بين ساحله والسوق الأسود الذي أبحر بالدولار بعيداً، وبالتالي صعَّبت العوم، وجعلت الغرق هو الاحتمال الأرجح إذا لم يتدخل أصحاب المشروع الغربيين والإقليميين لإنقاذه بعطايا متواصلة وكرم لا ينقطع.

وهذا أمر غير مقطوع بحدوثه .. ففي زمن “الحداثة السائلة” كما يقول باومان ( العهود الماضية بأن “لا يفرقنا إلا الموت” صارت “عقودًا بصيغة مادام الإشباع”، وهي عقود مؤقتة وعابرة بطبيعتها وبتصميمها وبتأثيرها البراغماتي، ومن ثم فهي عرضة للفسخ من جانب واحد، عندما يكتشف أحد طرفي العقد فرصة وقيمة في الخروج من العلاقة تفوق محاولات إنقاذها بأي ثمن ومن غير حساب).

والمقابل الأكيد الذي ستدفعه الحكومة لتغير من موقف الرعاة الدوليين والإقليميين إن رأت منهم تردداً أو ميلاً إلى فسخ العقد هو الإمعان في إثبات قدرتها على مزيد من التسييل والتعويم والتسليع والبيع لكل شئ، وسيتوقف مستقبل الجنيه والحكومة، وربما مستقبل السودان، على مقدرة الحكومة على إثبات ذلك، وعلى قناعة الشعب ورضاه أو خنوعه واستسلامه.

التعليقات مغلقة.