عادل عسوم يكتب: بافاروتي والنور الجيلاني

تعجبني للنور الجيلاني عدد من الأغنيات، منها يامسافر جوبا، وخواطر فيل، وليه رحت عني بعيد، وبديعته قلنا راح مع الأيام وأخريات.

ولا أدري لِمَ ارتبط النور الجيلاني في خاطري بالمغني الاوبرالي الايطالي الشهير لوتشيانو بافاروتي! لعلها طبقة التينور التي يغنيان في نطاقها، وهي طبقة لايحسن الغناء فيها إلا أصحاب الحبال الصوتية القوية، فهي تمكِّن أصحابها (طق الكواريك) دون تعب أو هدة حيل، والراحل بافاروتي قُدِّر لي مشاهدته عيانا على خشبة مسرح مدينة ألمانية إسمها (لوبيك).

وصلت إلى تلك المدينة خلال رحلة عمل ونزلت في فندق إسمه موفيمبيك ليزيا، كان اليوم Weekend حيث خرجت لاتسوق من سوبرماركت مجاور، خلال تجوالي داخل المكان؛ تفاجأت بالعديد من الأطفال يحدجوني بنظرات تنم عن دهشة واستغراب!، وإذا بطفلين يقتربان مني ويلمسان يدي، ثم يعدوان تجاه أميهما وكل منهما ينظر -خلال عدوه- إلى الأصبع الذي لمسني به، وكأني بهما يحسبان جسدي مطليٌّ بلون أسود، يومها بدا لي أن لوني قد ازداد سوادا بالرغم من كوني (قمحاوي) كما يقال لي.

شئ آخر لن أنسه في تلك المدينة الجميلة، ألا وهو إسم الطريق الذي يقع عليه الفندق، والشركة دريقر (Drager) موئل زيارتي، هذا الشارع أسمه موزلنق أَلِي استرات، وهي -كما أخبرني أحد الأتراك هناك – تعني (شارع المسلم عَلِي)!

تخيلوا؛ شارع إسمه (مسلم)، و(علي)، ويقع في وسط مدينة ألمانية شهيرة؟!، وذاك ما يدفعني لأن أتحدث عن قصة الألمان مع الاسلام:

تظل صورة بروفيسرة ألمانية مُسِنَّة في خاطري، صادفتها خلال سفري إلى مدينة هامبورق بالقطار السريع،

كنت أجلس لوحدي على مقعد من مقاعد عربة القطار ال (ICE)، وبيدي صحيفة عربية أتصفحها -وأظنها القدس العربي-، فإذا تأتي وتجلس إزائي، تابعتها من طرف خفي فوجدتها ترغب في الحديث معي، وبالفعل ما إن أزحت الصحيفة عن وجهي الاّ وسألتني بانجليزية لابأس بها:

– يبدو انك عربي؟

– نعم أنا من السودان.

– هل هو السودان الذي يقع جنوب مصر؟!

-نعم هو …

(صدقوني كم أستاء عندما أجد شخصا يستدل على بلدي بمصر)!.

عرّفتني المرأة بنفسها بأنها تعمل محاضرة في إحدى الكليات الجامعية في مدينة هامبورج، وأنها سبق لها زيارة مصر والعديد من الدول الإسلامية، وتواصل حديثنا طوال الرحلة إلى أن قالت:

– نحن الألمان شعب يتملكنا شعور بأننا متميزون عن كل الأوربيون في كل شئ، وقد كنا يوما نتسيد أوربا، بل كل الدنيا، لكننا وجدنا أنفسنا فجأة بلا شئ يميزنا، فاللغة الألمانية أضحت لا تنافس اللغات الأوربية الأخرى مثل الانجليزية والفرنسية، والدين المسيحي يعتبره الألمان دينا للإيطاليين وبقية الأوربيين قبل أن يكون دينا لهم، والرأسمالية هنا والشيوعية في الجزء الآخر -السابق- من ألمانيا نعتبرهما نحن الألمان ثقافتان دخيلتان علينا، ثم اعتدلت على مقعدها وقالت:

لكل ذلك فإن الألمان -وبما يعتورهم من شعور عميق بالرغبة في التميز- هم أقرب الناس لاعتناق الدين الاسلامي بأكثر من بقية الأوربيين!

قالت ذلك ثم سألتني بعد أن علمَت بأنني قادم من مدينة لوبيك، هل قمت بزيارة السيد مراد هوفمان هناك؟!

ومراد هوفمان هذا ديبلوماسي ألماني أسلم بعد أن عمل كسفير لألمانيا في بعض دول الشمال الأفريقي لأعوام، وكتب العديد من الكتب عن الاسلام، وبحمد الله كنت قد زرت الرجل في بيته في مدينة لوبيك قبل أن ينتقل الى مدينة أخرى بالجوار ويهدى بيته إلى الجالية التركية المسلمة ليصبح المسجد الكبير في مدينة لوبيك، هذا المسجد تشرفت بالصلاة فيه مرات عديدة خلال زياراتي العديدة لتلك المدينة…

كم تبين لي صدق هذه الأستاذة الالمانية، فقد وجدت هؤلاء الالمان من أكثر الشعوب الأوربية قربا إلى الاسلام، تلمست ذلك فيهم خلال زياراتي العديدة الى مدن تلك البلاد، الى أن ختمتها بزيارة إلى الزاوية البرهانية الكبيرة في مدينة شتوتجارت…

وللألمان لغة لا يكاد المرء استلطاف في البدء لما لها من وقع مزعج في الأذن، وذاك يذكرني بوصف أحد أبناء منطقة الأراك ممن يقيمون فيها حيث قال عنها:

الناس ديل لغتُم دي صوتا عليك أمان الله زي التقول ماشيلك فوق ورتاب أو كركجي وتكون حفيان.

لكن برغم (دشانة) اللغة الألمانية، إلا انه يجدر بي الاعتراف بإستلطافي لكثير من خواتيم الكلمات لديهم، إذ كم لها من موسقة وايقاع جميل في الأذن، تلك الخواتيم تندرج في مفردات (سايم) و (آون) و (هاقن)، خاصة عندما تكون صادرة من امرأة، ولعل لحظات الهدأة مِنِّي؛ كثيرا ما يكتنفها صوتٌ لم يزل باقياً في مطاراتهم ومحطات قطاراتهم، بل حتى في المحلات التجارية، وهو تسجيلٍ لصوت امرأة ألمانية، كم أجد فيه بصماتٍ من صوت راحلتنا ليلى المغربي رحمها الله!

هؤلاء الألمان وجدتهم عاشقون لدرجة الإدمان لموسيقى واغنيات الأوبرا!، ويغلب عندي الظن بأن عشقهم الاسطوري هذا إنما ردة فعل وسعي منهم للتصالح مع (شتارة) لغتهم، وهنا تحضرني خطابات هتلر وكواريكه، بل إنك إن قدر لك مشاهدة المانيين يتحدثان، يخيل لك بأنهما سيتشاجران فجأة.

 خلال الويك اند التالي أخذوني إلى مدينة مجاورة؛ كانت ضمن برنامج الزيارات المرتبة من قبل الشركة للمهندسين الزائرين، وإذا بي والآخرون نتفاجأ بكون الزيارة الى بيت جد وزير الدفاع الأمريكي -يومها- دونالد رامسفيلد!، وليتهم علموا قدر كرهي لهذا الرجل بعد الذي فعله في سجون العراق وفي قوانتانامو!

يممنا صوب الدار -القعلة- والتي تبدو للناظر إليها بأنها دار عمدة أو شيخ بلد، فوزير الدفاع الأمريكي القمئ هذا كان جده الألماني دوقا له تاريخٌ من السوء بمكان، أخبرني أحد الأتراك هناك بأنه قُتِلَ خلال الحملات الصليبية على بيت المقدس أيام صلاح الدين الأيوبي رحم الله صلاح الدين وأرضاه، وبذلك تبينت سبب كره دونالد رامسفيلد للإسلام والمسلمين، وازداد كرهي له عندما تكشّف لي تكسب شركته المنتجة والمسوقة لدواء (التاميفلو) المعالج الحصري لمرض انفلوزنزا الطيور، وما راج من احاديث عن فساد طال حتى منظمة الصحة العالمية في ذلك!

واختم بتفاصيل مدينة مدينة لوبيك:

لعمري انها مدينة في حدّ الذاكرة، ولن أكون مغاليا ان قلت بأنها أجمل مدن العالم!

ياااااه

ما أجملها وهي تتمدد في الشمال الألماني دون أن تنسى أن تحتضن كثيرا من أمواه بحر الشمال الملأى بمئات الطوافات المائية…

المباني فيها يتبدى على محياها ترفُ تشكيلات الهانزا، والناس يأتلقون بجمال اسكندنافي بهي، بياضهم يكاد يضئ، وشعورهم شُقرٌ يكاد يسيل من دونها الذهب وما انسكب كما قال صلاح بن البادية…

اعتدت السفر اليها كثيرا لزيارة مصانع (دريقر) الألمانية التي تصنع ال(gas monitors& detection systems)، وتمثلها الشركة التي أعمل بها هنا في السوق السعودي والخليجي…

يومها، أعلمني مدير تسويق الشركة مارك هاناماير بأنهم أكملوا بناء أكبر مسرح على شاطئ بحر الشمال احتفاء بزيارة مغني الأوبرا الايطالي العالمي بافاروتي حينها، وصحبت الرجل في سيارته الأوبل الفخمة إلى مسرحهم المهيب!

وهناك، رايت الابداع المادي في أبهى صورِه وأشكاله، المسرح مبني على شاكلة مبنى الأقواس الاسترالية، ويربض على شكل حدوة حصان مذهّبة تتمدد بعييييدا إلى داخل أمواه البحر، وعلى الحواف؛ بدت سرابات من اشجار نخيل الزيت تضج بأنوار تبدو لعينيك كأنها تنبعث من كل ذرة على طول كل نخلة!

بين يدي ذاك المسرح وعلى طول الشاطئ؛ تقبع سُفُنٌ عديدة مزينة بكهارب تنعكس على أديم مياه البحر، فتتملكك الحيرة وتعتريك الدهشة أهي رابضة فوق الماء أم تحته؟!

وحانت اللحظة التي ينتظرها عشرات الألوف من المشاهدين عندما اعتلى بافاروتي (ساحة) المسرح، ولا اقول خشبته!…

انطلقت من خلفه سحب كثيفة من دخان الأوكسجين ليزداد ائتلاق الأنوار والكهارب على طول الشاطئ،

فوقف عشرات الألوف من المشاهدين يصفقون مرحبين ببافاروتي.

وبين يديه انتثرت -ولا أقول انتشرت- عشرات الحسان أحسبهن من راقصات الباليه، يدُرن بين يديه كالفراشات، ويلبسن زيّا فضّيا على شاكلة حوريات البحر، وقد جعلوا مولجهن إلى المسرح من نفق ينتهي بوردة تتفتح فجأة، لتتفاجأ بهنّ حوريات يخرجن من لُجّة مياه البحر!…

وقف بافاروتي موجهة اليه أنوار الدنيا كلها، ف(صنقع) و(طقّ الكواريك)!

اعذروني ياأحباب، لم أجد وصفا أَلْيَق بالذي فعله بافاروتي يومها الاّ بالكواريك، فآذان الناس تتشكل على الذي بين يديها من أنغام وموسقة، فمالي أنا وغناء الأوبرا؟!

لقد أوشكت بأن أكون كمستر بين الذي لم يجد بدا من نزع جواربه ليسد بهما أذنيه، فكم حاولت جاهدا أن أطرب كسواي من تلك الالوف المؤلفة لبافاروتي، لكنني عجزت عن ذلك، فما كان مني الاّ أن جلست مرغما أوزع ابتساماتي المصطنعة على مجاوريّ، واتمايل معهم، إلى أن انتهى الحفل، وبقيت تلك الليلة ماثلة في ذاكرتي إلى يومي هذا، أعيد شريط ذكراها كلما استمعت إلى النور الجيلاني عندما يغني يامسافر جوبا، وقد عنت لي (فكرة) بأن أأتي يوما ببافاروتي ليغني الأوبرا في نادي بري، أو نادي الضباط، وأأتي بالنور الجيلاني ليشاركه الغناء بأغنيته (يامسافر جوبا)، لكن ذهبت جوبا، وبافاروتي زاتو اتلحس، ولم يبق لنا سوى النور الجيلاني ربنا يشفيه ويديهو العافية.

[email protected]

التعليقات مغلقة.