السبت 23/02/04

إبراهيم عثمان يكتب: عن النموذج السوداني

كثيرةٌ هي أقوال المسؤولين التي لا تحترم العقول، لكن واحدة من أظهرها وأكثرها استفزازاً واحتقاراً للعقول هي مقولة “النموذج السوداني في الشراكة المدنية العسكرية” . آخر مرة تحدث فيها حمدوك عن هذا النموذج الملهم كانت أمس الأول عند زيارته لجهاز المخابرات .

الثابت أن التجربة القائمة الآن هي الأسوأ مقارنةً مع نموذجي أكتوبر وابريل، اللهم إلا إن كان المعيار عند حمدوك هو معدل تمكين اليسار، ومدة هذا التمكين، واستغلال الشراكة الانتقالية لتمرير الجزء الأكبر من المشروع العلماني الغربي المدعوم من أحزاب قحت. 

في الواقع هذا النموذج ليس مثالاً يُحتذَى بل أمثولة يجب على من ينشدون الحرية والديمقراطية من شعوب العالم أن يفروا منها فرار السليم من الأجرب، اللهم إلا أحزاب الفكة العلمانية واليسارية في الدول الأخرى التي يمكن أن تغبط اليسار السوداني على هذا النموذج الذي يحل عقدتها ويمكنها في السلطة ويمكن لمشروعها بدون انتخابات.

– أي نموذج شراكة هذا الذي يتحدث عنه حمدوك أمام قادة جهاز المخابرات بينما هم يعلمون علم اليقين أن الأمر لو كان كله بيده لما بقي منهم واحد في موقعه، بل لما بقي الجهاز نفسه، فهو المخوَّن من الحاضنة ومن الحكومة، والمُتوعَّد بجهاز منافس جديد يتولى أمر الأمن الداخلي ويرث منه الصلاحيات المتبقية والملغاة؟!

– أي نموذج شراكة مدنية عسكرية هذا الذي يتحدث حمدوك عن تقديمه إلى العالم، والشراكة أصلاً لم تبدأ إلا بوساطات دولية وإقليمية، وتدخلات وسفارات تأمر، وأخرى تحذر وتنصح، وغيرها تضغط، ولم، وربما لن، تستمر إلا بتدخلات شبيهة؟

– أي نموذج هذا الذي يحتاج إلى الكثير ليصل إلى مستوى العلاقة السوية العادية في ظل إتهامات الحفر والتآمر المتبادلة التي تتأسس معظم مواقف الشركاء على تفاديها، والتنافس بين الشريكين يجعل أحدهما يستجلب بعثة أممية يرى هو وأنصاره أن مهمتها الأساسية هي لجم الشريك والحد من طموحاته والتصدي لمؤامراته؟!.

– أي نموذج هذا وأحد الشريكين يتهم الآخر بالسيطرة على ٨٢٪؜ من الاقتصاد ليلتقط الكونغرس الأمريكي الشكوى ليصدر تشريعاً يستقبله أحد الشريكين بالرفض واتهام شريكه بالوقوف خلفه، وليستقبله الشريك بمواقف تتفاوت ما بين الصمت الرسمي المتواطئ، والتأييد المتحمس من الكتَّاب والنشطاء؟!.

– أي نموذج هذا ومجلس الجودية/الشركاء كأهم جسم يجسد الشراكة قد نُظِر إليه من البداية كمؤامرة، وكان، ولعله لا زال، سبباً للتشكيك ونزاع الصلاحيات، وأقوى مواقف رئيس الوزراء حتى الآن كانت بخصوص قيادته وصلاحياته على عكس كرمه مع بعثة الوصاية الأممية وصلاحياتها ونطاق تفويضها!.

– أي نموذج شراكة يُحتذَى والعلاقة تخيم عليها الاتهامات بالقتل والمطالبات بالقصاص من الشريك، وإتهامات مقابلة بالإستقواء بالخارج، فلا يرد أي من طرفي الشراكة على الآخر سوى بمزيد من الاتهامات.

وأقصى ما يفعله رئيس الوزراء وحكومته في أوقات الصفاء ليحفظوا التوازن الدقيق هو أن يتحدثوا مثل هذا الحديث التخديري عن الشراكة النموذجية، وهو الحديث الذي يشوش على التوازن الدقيق بين الحكومة وحاضنتها الشعبية؟!.

– أي نموذج شراكة هذا ووعي الحاضنة الشعبية، شفاتة ومثقفين، يكتب العداء للشريك سطره الأول والأخير ويعبئ ما بينهما بهتافات السخرية والسب، وحمدوك نفسه يساهم بفعالية في صناعة هذا الوعي بإتهاماته الصريحة والمبطنة للشركاء.

إلى أن وصل الحال إلى عدم استطاعة أي قائد من المكون العسكري المشاركة في أي فعالية شعبية للشريك المدني. وإن غامر وفعل، فسيخرج طريداً ملعوناً مشتوماً؟. 

– أي نموذج شراكة وكل اختلاف على أي شئ ذي بال يمس قيمةً أو مبدأً أو ثابتاً أو طرفاً معارضاً يُحل بسهولة وتستمر مسيرة الدوس لها كلها، ما عدا الخلاف على الحصص والمناصب التي يُتعارَك عليها إلى حين الاتفاق على محاصصةٍ ما تشبع نهم الشريكين؟! 

– أي نموذج شراكة هذا والبلد في حالة سيولة أمنية يتبادل الشريكان اتهامات المسؤولية عنها، أحدهما يتهم الآخر بالتراخي لشئ في نفسه، والآخر ينفي ويتهم أطرافاً من الحاضنة بصناعة التوترات الأمنية والصراعات القبلية؟!. 

– أي نموذج شراكة هذا والعلمانية المتطرفة يمضي فيها أحد الشركاء بقوة، ويهمس الشريك بأن الدين خط أحمر، ثم يبصم، فلا تأتي المقاومة ولا يحدث التراجع الجزئي إلا نادراً وبضغط من الشعب؟!. 

– أي نموذج شراكة هذا والمناهج الدراسية قبل طباعتها تُمَرمَط كرامة الوطن، فيُتسوَّل لها أمام أبواب السفارات فيكون الصدود، وبعد طباعتها تُداس عقيدة الأمة فيكون الرفض الشعبي ثم التجميد ثم التحايل لتمرير الجزء الأكبر منها؟!. 

– أي نموذج شراكة هذا والتطبيع يمضي فيه أحد الشركاء فيقابله الشريك بالتشكيك ويتحدث عن عدم امتلاك الشريك للصلاحية في ملف العلاقات الخارجية، وعدم امتلاك حكومة الانتقال كلها لهذه الصلاحية ثم يسابقه بعد أيام على طريق التطبيع ولسان حاله بيدي لا بيد غيري، لمصلحتي لا لمصلحته؟!. 

– أي نموذج شراكة هذا الذي يحكم وما يمضي بسلاسة من سياساته دون خلافات بين الشريكين وينعكس على المجتمع هو الخمور والتعري والفجور وقائمة طويلة من الظواهر الاجتماعية السالبة التي لا تتسبب في إتهامات من المدنيين للعسكريين بالتقصير لأنها ظواهر تتماشى مع مشروع الحكومة!. 

– أي نموذج شراكة هذا واللفشل الاقتصادي الكبير يتبادل الشركاء اتهامات المسؤولية عنه، شريك عسكري ينسبه للمدنيين بسبب تكالبهم على المناصب وضعف كفاءتهم، والشريك المدني يقول في أيام الخلافات إنه فشل تصنعه شركات المكون العسكري، وأقصى تخفيف للهجة يكون في أيام الصفاء حين يقول بل هو فشل جماعي نتقاسم المسؤولية عنه!. 

والقائمة طويلة لكن يمكن إجمالها في قاعدة تقول إن كل اتفاقات الشريكين تكون على حساب الثوابت، وإن كل أختلافاتهما لا تحميها لأنها ليست عليها أصلاً! وأن الاتفاقات والاختلافات مفتوحة على كل الأحكام السلبية ولا يمكن أبداً أن تمثل نموذجاً يُحتذَى.

شاهد أيضاً

الآلية الثلاثية تتنصل من خطاب إلغاء الحوار الوطني

الإطاري بين حسابات الحقل وحسابات البيدر

بقلم: إبراهيم عثمان ▪️ تخطيء أحزاب فولكر كثيراً إذا ظنت أنها بما نالته من دعم …