آراء

خواطر رمضانية «14»: العُرِي ولباسُ التقوى

بقلم: عادل عسوم

أحببت هذه الآية الكريمة منذ يفعي:

{يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا ۖ وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ ۚ ذَٰلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} 26 الأعراف
والعُرِيُ مافتئ منبوذٌ في كل الأديان منذ أن غوى الشيطانُ أبانا آدم وأمنا حواء، فأنزل ربنا جل في علاه في ذلك قرآنا يُتلى:
{يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا ۗ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ ۗ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ} الاعراف 27.

لكم سألت نفسي ماذا كانا عليهما السلام يلبسان قبل أن يغويهما ابليس ويأكلا من الشجرة (نبتا كانت، أم غير ذلك مما قيل عن كنهها)؟!.

قال لي والدي رحمه الله – وهو المساعد الطبي- وهو يبتسم لعل لثمار تلك الشجرة وصل بالغدد الجنسية وهورمونات التيستستيرون الذكرية والاستيروجين الأنثوية، ومن قبل اكلهما منها ما كانت غددهما الجنسية تعمل.
وتساءلت ذات التساؤل عن حال بني آدم عندما يقومون لرب العالمين؟!.

فقد ورد في الصحيحين أن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
(يُحْشَرُ الناسُ يومَ القيامةِ حفاةً عراة غُرْلاً)!.
فهل لـ(لباس التقوى) علاقة بكل ذلك؟!.

قال عكرمة رضي الله عنه، لباس التقوى هو مايلبسه المتّقون يوم القيامة، وقيل بأن لباس التقوى هو الإيمان، وقيل هو العمل الصالح، وقيل غير ذلك.
وإذا بي انقّب فأجد هذه القصة التي احسبها لها وصل بأصل الأمر:
قيل بأن فرعون عندما خرج يوما في قومه، إذا بصبي غر أشار إليه ضاحكا وقال:
انظروا للملك العاري!.

فالمعلوم يقينا أن قصة اغواء إبليس لأبينا وأمنا، وأكلهما من الشجرة المحرمة، وانكشاف سوءاتهما مذكورة في كل الكتب السماوية، وكذلك في آثار النبوّات جميعها، ولعل القصة انسربت بعد ذلك إلى مصرور وثقافات الأمم الوثنية، ولعل فرعون أستصحب ذلك عندما خرج عاريا إلى رعيته، وهم مَنْ اعتاد استخفافهم واعتادوا طاعته!.

والمشركون من قريش كانوا يطوفون بالبيت الحرام عُراة، وعندما قدم المسلمون إلى مكة المكرمة فاتحين، وطافوا بالبيت (بلباس الإحرام) امتثالاً لأمر الله عز وجل في قوله:
{يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} 31 الأعراف.

ماكان من كفار قريش إلاّ استنكار ذلك، فقد وقر في نفوسهم الطواف عراة نتاج تلبيس الشيطان.

ولعلي بين يدي ذلك أحكي هذه القصة التي عايشتها في منطقة (قوقريال) في دولة جنوب السودان، قدّر لي أن أعيش بعضا من سني طفولتي هناك حيث كان الوالد رحمه الله يعمل (مساعدا طبيا)، وكان في معيته مُمَرِّضٌ من أبناء الدينكا إسمه اوقستينو، بالرغم من كونه متعلم ومثقف ويتحدث عربي جوبا وكذلك الإنجليزية بطلاقة؛ إلا إننا عندما زرناه في قريته في أطراف الغابة وجدناه وكل أهله عراة كما ولدتهم أمهاتهم، فسأله الوالد عن ذلك فأجابه بأن الأصل في إبن آدم العري!، وأضاف قائلا بأن آدم لم يأخذ من اوراق الأشجار ويستتر بها إلا بعد عصيانه لربه! ولم تُجْدِ جهود الوالد رحمه الله في إقناع اوقستينو وأهله بأن المتسبب في كل ذلك هو الشيطان!.

وهكذا ظل الشيطان يسعى لنزع لباس بني آدم منذ الأزل، ليريهم سوءاتهم فتنة لهم!.

في عام 1926، أسس ألفريد كوخ مدرسة العري في برلين للحث على ممارسة التعري المختلط بين الجنسين، اعتقادا بأن العري في الأماكن المفتوحة يساعد على تحقيق التناغم مع الطبيعة ويحقق فوائد صحية!، وبينما كان الألمان في السنوات المبكرة لتأسيس ألمانيا الشرقية الديمقراطية يستحمون عراة خلسة، في غفلة من رجال الشرطة، فإنه منذ أن تولى إيريش هونكر السلطة في عام 1971 أصبحت ثقافة الجسد العاري مباحة رسميا.

قال لي جدي محمد الحسن حاجنور رحمه الله، وهو الذي اعتاد معالجة الممسوسين:
إن الشيطان لا يمس إبن آدم إلا إذا وجده عاريا!، وقد قرأت بأن عدد المجانين في ألمانيا الشرقية كان ملفتا لكل من يزور تلك الدولة قبل ان يهدم جدار برلين وتصبح ألمانيا دولة واحدة.

رحم الله جدي فقد كان يأمرنا -ونحن صبية – بأن نستر عوراتنا، وكان لايتهاون في ذلك فيأمرنا بأن نُحْكِمَ إغلاق باب غرفة النوم عندما نبدل ملابسنا، وكذلك باب الحمّام/المرحاض ولاندعه مواربا، وإذا بي أجد ذلك في ثنايا السنّة الشريفة لاحقا إذ قال نبينا صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح:
(أجيفوا الأبواب، واذكروا اسم الله عليها، فإن الشيطان لا يفتح بابا أجيف وذكر اسم الله عليه).

رواه أحمد والبخاري في الأدب المفرد وصححه ابن حبان والحاكم والألباني.

وبذلك على المسلم النأى بنفسه عن العُرِي ما أستطاع الى ذلك سبيلا، كي لايدع للشيطان مدخلا، ولنا في ذي النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه أسوة حسنة وهو الذي وصل به الأمر أن تستحي منه الملائكة، وقد ورد عنه عدم تهاونه في كشف عورته -حتى- وهو يغتسل!.

وقد حكي لي الخال أحمد محجوب حاجنور رحمه عن ساحر نيجيري أعلن توبته عن السحر، التقاه عندما كان محاضرا في جامعة كانو النيجيرية، بأن الجِنّي/ الشيطان إن قَبِلَ بالسُّخرة لابن آدم؛ فإنه يشترط عليه التعرى أمامه كلما التقاه!.

ولعلي أتحدث عن تعري آخر يخفى على الناس:
التعري ليس بالضرورة ان يكون الملموس الذي نعلمه، إنّما يكون (محسوسا) أيضا. فالإثم له ظاهره وباطنه، يقول الله جل في علاه:
{وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ} الأنعام 120.

قد يسترسل المرء منّا بخياله ويتذكر مشهدَ عُريٍ، أو تعرض له معصيةٍ اقترفها تحيدُ به عن الاستغراق في الطاعة والإخبات لله خلال صلاته او حين استغراقه في تلاوة القرآن، أو -حتى- في ثنايا التفكُّر في ملكوت الله عندما يكون خاليا، ذاك التخيل (العاري) ينأى بالوجدان عن الارتقاء في مدارج العروج الروحي إلى الله،

قال نبينا صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي:
(قل تعالى: … وما تقرب لي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ومازال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها وقدمه التي يمشي بها وإذا سألني لأعطينه وإذا استغفرني لأغفرن له وإذا استعاذني أعذته).

والأمر يحتاج إلى خشوع، وإلى قلب حاضر حين الصلاة واداء تلك النوافل، صدعا بقول الله جل في علاه:
{قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ} المؤمنون 2،1.

لنأطر أنفسنا أطرأ إلى تذكّر الصور الوضيئة في ثنايا ذكريات تعزّز فينا التقوى، وتعلي من شأن الإيمان في النفس كلما اسلمنا انفسنا لله، فذاك يؤدي تلقائيا إلى مسح كل ذكرى فيها عري ملموس أو محسوس في وجداننا، مما يزيد من وضاءة وجداننا وطهر خواطرنا.

وهنا حري بنا أن نقف هنيهة بين يدي أنبياء الله ورسله عليهم السلام وعلى نبينا افضل الصلاة والسلام، وقد عُهِدَ عنهم جميعهم بأنهم ركنوا إلى (خلوات) قبيل أن يُبعثوا، أمضوا خلالها من الوقت الكثير، تفكّرا في ملكوت الله، وترويضا للخيال في مدارج العروج الروحي إلى الله في عليائه، وكذلك كان حال نبينا صلى الله عليه وسلم في غار حراء، إلى جاءه جبريل عليه السلام.

ولعل أمر الخلوة انسرب -حتى- إلى ثقافات لأوصل لها بدين سماوي، ك(رياضة اليوجا) لدى البوذيين وسواهم.

اللهم ألبسنا لباس التقوى، جسدا وفكرا وروحا، وكذلك يوم نقوم إليك يوم البعث والنشور، إنك ياربي وليُّ ذلك والقادر عليه.

[email protected]

زر الذهاب إلى الأعلى