الجمعة 23/02/03

خواطر رمضانية «29»: ولكن لاتفقهون تسبيحهم

بقلم: عادل عسوم

كل موجودات هذا الكون الوسيع تسبح الله، هذا ما قاله لنا ربنا جل في علاه في قرآننا الكريم، الجبال تخشعُ لعظمة آياته، والحجارة تهبِط إجلالًا، والطير صافات تسبح الله، وكذلك النجوم، والماء، والهواء، وكل الكائنات، ولايستثنى عن ذلك -حتى- الملائكة عليهم السلام.

عندما كنت في الصف الأول من المرحلة الثانوية توقفت بين يدي هذه الآية الكريمة:
{تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۗ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} الإسراء 44.

إنه إخبار لنا من الله بأن كل هذا الكون يسبح له، وبذلك فإنه أمر واجب التصديق، والذي لفت انتباهي أن الله تعالى قال: {وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ}، ولم يقل (ولكن لا تسمعون تسبيحهم)، وذاك يعني ان سماعنا لتسبيح مافي الكون ممكن، لكننا وكما قال ربنا لا نستطيع ان نفقه/ندرك هذا التسبيح، والفقه يكون بعد السماع.

فالسماع ممكن، ولكن إدراك معنى ما تقوله تلك الموجودات أو فهم ماتصدره من اصوات هو المعني {ولكن لاتفقهون تسبيحهم}!.

لقد كانت المعلومة السائدة قبل عقود أن أصغر مكونات المادة هي الذرة، أي أن الذرة هي أصغر جسيم (مصمت) في المادة، ثم جاء اليساندرو فولتا Allesandro Volta في عام 1800 وأثبت للناس بواسطة أستخدامه لعمود فولتا -وهو الصورة البدائية لعمود البطارية الجاف- بأن الذرة تحتوي على مكونات أصغر أسميت بالالكترونات، وهي جسيمات غير مستقرة، وأثناء دراستي وباستخدام جهاز ال Mass spectrometry وهو جهاز يشطر جزيئات العينة إلى أيونات، وبإضافة جهاز حساس للتصوير الدقيق استطعنا في المختبر تصوير حركة اليكترونات المادة، وقام الأستاذ بأيصال مكبر حساس للصوت أمكننا بواسطته سماع أصوات الالكترونات وهي تتحرك، وكم كانت التجربة مذهلة!.

قطعة صغيرة من مادة لا ترى بالعين المجردة، تبدو ميتة لاحراك ولا حياة فيها، تدخلها إلى فتحة الاختبار في الجهاز، فتفاجأ بأصوات كأنها أصوات سيارات مسرعة!
وقد كان الصوت يختلف باختلاف المادة موضوع الأختبار! …
هذا الصوت الذي أصدرته الإلكترونيات لم أجد له تفسيرا سوى كونه تسبيح (دائم) لكل مادة!.

وبذلك فإن خلايا أجسامنا كلها تسبح باسم الله الذي خلقها، ولعلي أقول بأن ذلك يفسر لنا كيف تشهد أعضاءنا يوم العرض على الله!
{يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} النور 24
{وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا ۖ قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} فصلت21.

قبل سنوات كنت أشاهد برنامجا علميا في قناة ناشيونال جيوقرافيك، أفاد البرنامج أن العلماء لاحظوا صدور ذبذبات صوتية من النباتات في المجال الذي يسمعه الإنسان، أي ضمن ترددات من 20 إلى 20000 ذبذبة في الثانية، ولكن الإشارات الصوتية التي تطلقها هذه النباتات ضعيفة جداً ولا يمكن سماعها إلا بعد تقويتها وتكبيرها آلاف المرات.

ولقد قرأت بأن العلماء لاحظوا بأن بعض النجوم تصدر أصواتاً مسموعة، ولعل النجم النيوتروني الذي سماه الله ب(الطارق) والذي يصدر صوتاً يشبه صوت المطرقة احداها، وكذلك الثقوب السوداء فإنها تصدر أصواتاً، وقرأت أيضا بأنه تم منذ فترة تسجيل الصوت الذي أصدره الكون بعد الانفحار العظيم!.

واكتشف الدكتور Gimzewski أستاذ الكيمياء في جامعة كاليفورنيا باستخدام كمبيوتر ذري أن كل خلية في جسم الكائن الحي تصدر صوتاً محدداً يختلف عن الخلية الأخرى!.

حتى الشريط الوراثي داخل خلايا الأجسام يصدر ذبذبات صوتية محددة، وكأنه يسبح الله ليل نهار! وهنا يمكن للمسلم أن يوقن بأن التسبيح لله يمكن أن يؤثر في نظام عمل هذا الشريط الوراثي الذي يتحكم في حياتنا!.

يا أحباب:
لقد قال نبينا صلى الله عليه وسلم أن كلمة (سبحان الله وبحمده) من أحب الكلمات إلى الله تعالى، وأن من قالها كل يوم مئة مرة حُطت عنه خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر!.

وها هو نبي الله يونس:
{فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ المسبحين . لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} الصافات 144،143
يا ترى ماذا كان يقول في تسبيحه؟!:
{…فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} الانبياء 87
ومن بعد ذلك كان الاجتباء من الله، والصلاح:
{فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ} القلم 50.
ليس هناك أفضل من التسبيح وذكر الله بالمأثور يا أحباب، إنه يزكي الأنفس، ويطهر القلوب، ويوقظ الضمائر.

روى أبو هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن، سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم).

اللهم اجعل ألسنتنا عامرة بذكرك وتسبيحك وحمدك وشكرك وبالاستغفار.
اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد وآله عدد ما سبح لك من حي وجماد.
آمنت بالله.

[email protected]

شاهد أيضاً

الآلية الثلاثية تتنصل من خطاب إلغاء الحوار الوطني

الإطاري بين حسابات الحقل وحسابات البيدر

بقلم: إبراهيم عثمان ▪️ تخطيء أحزاب فولكر كثيراً إذا ظنت أنها بما نالته من دعم …