الخميس 23/02/09

أقوالهم والأفعال

بقلم: إبراهيم عثمان

ما من تهمةٍ وجهتها قحت إلى النظام السابق إلا وثبت يقيناً أنها أولى بها، وما من وعدٍ وعدته إلا وكانت إلى نقيضه أقرب :

من كانوا يشتكون في مؤتمراتهم في قاعة الصداقة وغيرها من الإقصاء والتضييق أصبحوا الآن يحدثون الناس عن النقلة الكبرى في مجال الحريات التي تشكل الإفطارات الجماعية في الساحات العامة مؤامرةً إرهابيةً وخرقاً كبيراً لقانونها !

ومن كانوا يرفضون أي تبرير للاعتقالات مهما كان، أصبحوا الآن يلومون الحكومة بعدم التوسع فيها كما يجب، ويبررون التضييق على المعتقلين في الحصول على العلاج حتى لو أدى ذلك إلى الموت

، ليبقى الموضوع الوحيد الذي لا زالوا يحاولون تبريره وتقديم الأدلة العقلية والنقلية على جوازه هو الشماتة والاحتفالات بالوفيات التي تحدث في سجونهم !

ومن كانوا يتجاوزون الشماتة إلى المساهمة الفاعلة في صناعة المعاناة ويتحدثون بفخر عن أدوارهم النضالية الوطنية في الحروب والحصار وفرض العقوبات أصبح أكثر حديثهم الآن عن التركة الثقيلة التي خلَّفتها العقوبات والحروب

، وأصبحوا يصورون مجرد الحديث عن بؤس الحال في عهدهم كنوع من الشماتة المذمومة !

ومن يعملون الآن بهمة عالية لاستجلاب حريات لاس فيغاس التي يعلمون أن خصومهم لن يستفيدوا منها بل هي أكبر نكاية فيهم وفي مشروعهم، لا يجدون أي تناقض إذا استجلبوا معها أساليب البعث العراقي في نسج القصص الفطيرة عن المؤامرات التي تمنع الافراج عن المعتقلين بالضمانة لأن العقوبات تصل إلى الإعدام !

قالوا : لن نتجاوز صلاحيات الفترة الانتقالية، وعندما حكموا تجاوزوا حتى صلاحيات الحكومات المنتخبة، فلما رأوا البون شاسعاً بين الوعد والتطبيق سماها وزير العدل فترة *تأسيسية*، وأعطوا حمدوك لقب *المؤسس* عسى أن تتكفل التسمية الجديدة واللقب بشرعنة التجاوز .

قالوا : لن نعتمد على الشحدة والمنح والهبات، فأصبحت الشحدة منهج حياة ومعقد رجاء، بعوائدها المتوقعة يُخدَّر القطيع، ومن أجلها تعرض الحكومة ثدييها لكل من يُحتمَل أن تغريه فيسد جوعتها،

فأصبح كل شئ بالشحدة بدأً من طباعة المناهج مروراً بتمويل الميزانية بالكامل كما وعد وزير المالية السابق وانتهاءً برواتب مكتب حمدوك الدولارية.

قالوا : سنركز على العمل والإنجازات ورفاهية الشعب الذي لن نمتن عليه، فجعلوا حياة الشعب قطعةً من الجحيم، ثم نظموا أكبر حملة شكر وامتنان في تاريخ السودان

.

قالوا : سنحافظ على استقلال القضاء، فبدأوا تدخلهم فيه بتزوير دستوري، وغيبوا المحكمة الدستورية، وأعطوا لجنة من السياسيين حق فصل القضاة ووكلاء النيابة، واختاروا رئيس قضاء ونائب عام على أسس سياسية، لكن التسييس فاق قدرتهما على الاحتمال فاستقالا.

قالوا : العلمانية والتطبيع ليسا من صلاحياتنا، ونحن سنركز على رفاهية الشعب ونستجيب لطلباته،

ثم حاولوا إقناعنا أن طلباته هي العلمانية والتطبيع و الردة والإلحاد وسيداو والخمور والفجور وغيرها مما يشغل الحكومة ووزير عدلها .

قالوا : سنختار الكفاءات للمناصب، فكان من بين اختياراتهم حمدوك ومدني وأكرم وأسماء وبلول والتوم والقراي وآخرين أكثر ضعفاً أتوا وذهبوا، أو بقوا، ولم يعلم الناس أسماءهم .

قالوا : سنقلل مصروفات مجلس الوزراء والقصر فضاعفوها عدة مرات،
وقالوا سنستغني عن سيارات القصر فاستغلوها وسعوا إلى استيراد المزيد

.وقالوا : سنقدم النموذج في التقشف ونكران الذات، وأحدهم سارع بعد أقل من شهر من تعيينه إلى توجيه مؤسسات تابعة لوزارته بتقاسم فاتورة علاج شقيقته،

والآخر ذهب مع أسرته منذ أول يوم لتعيينه وأقام في السلام روتانا .

قالوا : سنرفع قيمة العملة الوطنية ففقد الجنيه في عهدهم أكثر من ٨٨٪؜ من قيمته، وقالوا سنرفع المعاناة فضاعفوها أضعافاً كثيرة بقرارات رفع الدعم القاسية، وبزيادة الرسوم والضرائب وإلغاء مجانية العلاج .

قالوا : سنحافظ على سيادة البلد واستقلال قرارها، فأصبحت القرارات بطيئة لأنها تنتج من تفاعل عدة إرادات إقليمية ودولية، ولكل منها ممثلوه المحليين . وأصبحت هناك بعثة أممية وإدارة أوروبية لمكتب حمدوك.

قالوا : سنعلي من أهمية الشفافية والصدق، وفي عهدهم بلغ التضليل والخداع وتخدير الجماهير أعلى المعدلات، ودخلت كلمات قاموسها الفصيح والعامي إلى الخطاب السياسي لأول مرة : العلف، القطيع، السواقة بالخلا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *