آراء

مبحث عن الدين والإبداع

بقلم: عادل عسوم

تسعى البشرية حثيثا إلى الارتقاء بالابداع الإنساني إلى منتهاه: أدبا، وفنّا، ورياضة، وعمرانا، وتقنية، وعلما، وفكرا.

لكننا نجد الأديان منذ الأزل تضع بعض الأطر والضوابط على حراك الإنسان على عمومه وكذلك إبداعه، فهل هذه الأطر والضوابط تعد معينة ودافعة للإبداع إلى الأمام؛ أم إنها كابحة ومثبطة له كما يدَّعي العلمانيون والشيوعيون واليسار؟.

للإجابة على ذلك تلزمنا هذه المقدمة:
لقد تكفل الله الخالق جل في علاه بابتعاث الرسل والأنبياء منذ خلق الانسان وقضى باستقراره في الأرض، وجعلهم بشرا منا، والهدف من ذلك ضبط وتأطير حراك الإنسان -وهو المخلوق لغاية مُثلى هي عبادة الله- كي يعود به إلى الطريق القويم الذي اختطه له الله كلما زل عنه وتاه، ولقد قضى الله بأن يكون مصير الأمم التي بغت وخرجت عن هذا الطريق واستهانت بالقيم؛ الهلاك والدمار، لكي تكون عبرة للخلف من البشر.

والآيات القرآنية الواردة في ذلك عديدة.

الدين بذلك يلعب دورا مهما في حياة الإنسان، وهو -أي الدين- من قبل ذلك يقدم تفسيرات لأسرار الكون وغيبيات الحياة من خلال إمداد الإنسان بمعينات تسهم في تنظيم سلوكه الفردي وضبط العلائق الاجتماعية لجعل حياته اكثر أمنا واستقرارا وتصالحا مع النفس، بمده بتفسيرات قاطعة للأسئلة الغيبية المتعلقة ب(من أين جاء) و(الى أين المصير) و(لماذا خُلِق)؟.

ولنا هنا أن نتبين مدى التوهان الفكري والعقلي والشعوري الذي اكتنف وجدان الشاعر ايليا أبي ماضي عندما نظم قصيدته طلاسم وقد كان حينها ملحدا قبل ان يعود إلى دينه المسيحي:

جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت
ولقد أبصرتُ قدامي طريقاً فمشيت
وسأبقى ماشياً إن شئتُ هذا أم أبيت
كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟ لست أدري
وطريقي ما طريقي؟ أطويلٌ أم قصير؟
هل أنا أصعد أم أهبط فيه وأغور؟
أأنا السائر في الدرب؟ أم الدرب يسير؟
أم كلانا واقف والدهر يجري؟
لست أدري
أجديدٌ أم قديمٌ أنا في هذا الوجودْ؟
هل أنا حرٌّ طليقٌ أم أسيرٌ في قيودْ؟
هل أنا قائد نفسي في حياتي أم مقودْ؟
أتمنى أنني أدري ولكن لست أدري

… 

السؤال؛ ألا يشغل هذا التوهان الفكري البشر عن حراكهم لعمران الأرض والإبداع؟.
قبل الأجابة على ذلك لنتساءل ماهو الابداع؟
هل هو عملٌ الغاية منه ايصال المتلقي إلى حالة شعورية بعينها، أم إنه عمل يثري ويضئ ويضيف إيجابا لوجدان المتلقي ويرقى به ليسهم بدوره في نهضة الأمة وانطلاقها على درب التمدن والرقي؟.

يُعرّف الإبداع لغويّاً: الإتيان بشيء لا نظير لهُ فِيه جودة وَإِتقَان، حيث يكون هذا الشيء ابتكاراً لم يسبق له مثيل، ويعرّف الإبداع اصطلاحاً بأنّه عملية تقوم على تحويل الأفكار الجديدة والخيالية إلى حقيقة واقعة، وينتج عنها إحضار شيء جديد غير موجود مسبقاً إلى الوجود.

وبالطبع فإن ردة فعل الرائي والمتلقي للإبداع يستمتع به ويلتذ لكونه كمال بشري.
هنا، اجد نفسي وقافا بين يدي الآية الكريمة التي وصف فيها الله الشعراء بأنهم يتبعهم الغاوون، وانهم في كل واد يهيمون!.

يقول الشعراوي في تفسير هذه الآية الكريمة:
ومعنى {الغاوون} جمع غاوٍ. وهو الضال، وهؤلاء يتبعون الشعراء. لأنهم يؤيدون مذهبهم في الحياة بما يقولون من أشعار، ولأنهم لا يحكم منطقهم مبدأ ولا خُلُق، بل هواهم هو الذي يحكم المبدأ والخلق، فإنْ أحبُّوا مدحوا، وإنْ كرِهوا ذَمُّوا.

والدليل على ذلك: {أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ واد يهيمون}، لكن يستثني الحق سبحانه من هؤلاء الغاوين: {إِلاَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ}، وكذلك يستثن نبينا صلى الله عليه وسلم فيقول (إن من البيان لسحراً).
إنتهى.

ومن الاسئلة كذلك:
أَلاَ تجلب صورة لامرأة عارية اللذة والمتعة إلى نفس الرجل؟!
وألا يفعل العكس ذات الشئ بالنسبة للمرأة؟!
ثم ألا يكون الزنا وشرب الخمر جالبا كذلك للذة ما والمتعة؟!.

لاغرو أن الإنسان لا سقف لديه للامتاع إذا قايسنا الإمتاع بشهوتي الجوع والعطش، والسبب في ذلك استحكام أمران بقواد النفس البشرية، .هما (هوى النفس) ثم (الشيطان).

ولعل تشريع الخالق للصوم كان الغاية منه تحجيم الشهوة وخفض سقف الامتاع للإنسان، إذ الصائم تتراجع رغباته ومشتهياته دون المفطر الذي تتزايد مشتهياته اضطرادا يوما بعد يوم، وبالأخص إذا توفر المال ووجدت الصحة.

كلنا نقرأ عن قوم لوط الذين استهلّوا بجسد الانثى فنحتوه في قصورهم، وتراضوا بينهم بمواصفات للباس يكون فيه صدر الرجل والمرأة عاريا في الطرقات، ثم ازداد جماح الشهوة واللذّة لديهم فأضحوا يتلذذون بقطع الطريق، وقتل وسحل الناس بعد تعريتهم من ملابسهم، ثم تمادوا غيّا فقادهم هوى النفس وغواية الشيطان إلى اللواط!.

هنا يمكن للمرء أن يتبين الحكمة الالهية بأن تشتمل الأديان السماوية الكثير من الضوابط والأطر ما يضمن خفضا لسقف اللذة ولجما للشهوة، ولقد أتت الأديان بسبل سليمة ومثلى للافراغ والإراحة بالصورة التي تضمن اشباعا متوازنا للنفس، إفادة للفرد والمجتمع.
أما الإسلام فكلنا أدرى بتفاصيل معالجاته لأمر اللذّة والشهوة.

ولكن هناك العديد من المفاهيم المغلوطة في أذهان الكثيرين حول نظرة الدين للإبداع من فن وأدب وشعر ومعمار ورسم وغير ذلك.

يتهمون الإسلام بذلك وكأن الأديان التي سبقته كانت تطلق العنان لجماح الشهوة!
في اليهودية ذاك موسى عليه السلام بعد أن سقى للبنتين تولّى إلى الظل، دون أن يتفرّس فيهما أو يطلب منهن مقابلا، ولقد جاءته إحداهن (على استحياء)، وورد بأنه طلب منها ان تمشي خلفه وتدله على الطريق ولا تسير أمامه!.

وتلك مريم عليها السلام، كان باطن الأرض أهون عليها من أن يعلم الناس حملها جنينا دونما زواج شرعي!…

لقد ظل الطهر وكانت الوضاءة ديدنا للبشرية منذ أزلها وما أضر ولا انقص ذلك من إبداع البشرية، تبين الناس بأن كل ابداعات البشرية التي لم تتصادم مع القيم والأخلاق بانية وناضجة وفيها الكثير من الإفادة للبشرية، بينما اقتصر أثر الأعمال التي لاتضبطها القيم والأخلاق على التأثير العاطفي وقد تتعداه لتصير الغرائز ويكون المآل سلبا وسوءا واضرارا بالحرث والنسل والوجدان.

ولكم تساءلت عن الأثر الذي تضفيه التماثيل في وجدان الناس؟!
قد يقول قائل بأنها تخلد ذكرى بطل ما او تأريخ أو إنسان، لكن الأمر له أثر آخر ينسرب إلى القلب والوجدان دون ان يدري، ومن يقف أمام اي تمثال ويتفرس فيه يتبين يقينا بأن الشيطان -بالفعل- يتلبسه ليوهن ما وقر في القلوب من ايجاب تجاه الخالق الذي خلقه ليعبده، ويسهم في تشتيت افكاره ورؤاه، ومن يريد الاستيثقاق من ذلك ليقف أمام تمثال وينظر إليه بإمعان، وهنا تظهر للمسلم الحكمة في تحريم التماثيل!.

وكذلك رسم مشاهد العري، والموسيقى الماجنة، والأشعار المجاهرة بالفحش والتفسخ، كل ذلك لا يؤدي إلى الارتقاء والإسهام الموجب في عمران الأرض والتشكيل الوضئ للوجدان.

وخير ما اختم به هذه الآيات الكريمات التي تحكي عن مشهد ينبغي أن يظل حيا في أذهان البشرية لإبليس وماذا قال لله جل في علاه في سورة الأعراف وقد رفض السجود لأبينا آدم عليه السلام فنابه الطرد والهبوط إلى الأرض ليعيش معنا على وجه هذه الأرض:

{قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ﴿١٢﴾ قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ ﴿١٣﴾ قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴿١٤﴾ قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ﴿١٥﴾ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ﴿١٦﴾ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ﴿١٧﴾ قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْؤومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ ﴿١٨﴾}.

إبليس في سبيل تحقيق مراده هذا بلا جدال لن يدع بابا إلا يلج منه، ويبقى أهم الأبواب؛ الباب الموصل إلى توحيد الله واليقين به رَبَّا وإلها، وما من شئ أنجع لذلك إلا إبداعات البشر لكونها كمالات البشرية في كل ضروب الحياة، ليحرفها عن طهرها ووضاءتها، وينزع عنها ايجابها، لتصبح مُركسة للقلوب والنفوس، فيزل الإنسان عن طريق الله القويم.
آمنت بالله.

[email protected]

زر الذهاب إلى الأعلى