إبراهيم عثمان يكتب: السواقة بالخلا

53

لا يملك المرء إلا أن يُعجَب بالقدرات الكبيرة لرعاة القطيع وفهمهم لنفسياته وأنواع الأعلاف التي يحتاجها يومياً حسب نوع الأزمات التي تمسك بخناقه، وحسب العورات المراد تغطيتها، وحسب الجهات المستهدفة في الوقت المعين.

كما هو معلوم بدأ إنتاج الأعلاف وحملات السواقة بالخلا من قبل انقلاب اللجنة الأمنية بسنوات، وقد تمكن الرعاة في ذلك الوقت من صناعة قطيع متطلِّب حقوقي، إنساني، عالي الحساسية، يرفض الغلاء ويذم عدم جودة الخدمات، ولا يرضى من الحكام شيئاً مهما كان، ويقبل من المعارضة كل أشكال التعويق، من المطالبة بالحصار والعقوبات، وحروب الاستنزاف، والشائعات السلبية الهادفة للإضرار بالاقتصاد .. إلخ. 

لكن بعد الوصول إلى السلطة كان المطلوب برمجة القطيع بشكل معاكس ليصبح زاهداً، صابراً على الحكام، شاكراً لهم على كل شئ، دواساً لمن يزعجونهم، وراغباً في تحميلهم مسؤولية تقصير الحكام، مساهماً في اختراع قصص المؤامرات التي تحيكها جهات خفية غرضها التعطيل.

ماتت إنسانيته بالقدر الذي يكفي لغض الطرف عن الموت على أبواب المستشفيات، سهل الانقياد، يُساس بأنصاف القصص الركيكة وأرباعها، ويزداد طلبه عليها كلما اشتدت الأزمات، ويتنقل بينها برشاقة وخفة مهما ألغى بعضها بعضاً. 

هذا الانتقال السلس من النقيض إلى النقيض، وغيره من أشكال الاستغفال، هو ما سوَّغ هذا الدخول القوي لكلمات العلف والقطيع والسواقة بالخلا إلى القاموس السياسي لتصبح كلمات مفتاحية.

بالله عليكم هل يمكن وصف شخص بغير القطيع إذا كان قد راقب ردة فعل أحزاب الحكومة على حزمة رفع الدعم الأخيرة، ووجدها، ككل مرة، تعارض القرار ببيانات نارية، وجاراها فيما يشبه الاتفاق معها في معارضة القرار بترويج المنشورات التي نشرها ذبابها الإلكتروني.

والتي تقول إن د. جبريل إسلامي، وأنه بقراراته القاسية، وباعترافه الصادم باعتماد الحكومة على جيوب المواطنين، وحديثه عن عدم استلام المالية لدولار واحد من الأموال المصادرة، إنما يهدف إلى تشويه سمعة الحكومة!. 

لكنه انتظر خطاب حمدوك على أحر من الجمر، وتابع منسوبي الأحزاب التي كانت تدعي معارضة قرارات رفع الدعم، وهم يروجون لخطاب حمدوك، ويؤيدون ما جاء فيه بخصوص رفع الدعم وكل سياسات الحكومة.

ويجتهدون اجتهاداً شديداً حتى يقتنع الشعب بأن القرارات تستحق التأييد، أو التفهُّم على الأقل والصبر عليها، وأن معارضتها في الشارع أو في مواقع التواصل إنما هو رجس من عمل أنصار النظام السابق. أي صفة غير القطيع يستحقها هؤلاء الذين انطلت عليهم هذه اللعبة؟. 

التعليقات مغلقة.