ومؤنب لي في القيامة قال لي… أكذا تكون صحائف الوراق

195

بقلم: عادل هواري

ربما نعذر الصبية وصغار السن المدفوعين بالحمية وما يتراءى لهم من ظواهر الأمور لقلة الخبرة والتجارب ولكن كيف يكون العذر لرجل مخضرم وسياسي وصحفي مثل الأستاذ عثمان ميرغني الذي لم يترك رجال عهد إلا وأوحى بأنهم غارقون في الخطيئة والفساد ويجب ان يزالوا!!!.

وكأن له اكاديمية تخرج القادة والحكام في هذا البلد المتخبط الذي تعوزه الأسس المبدئية لتأسيس دولة حديثة ذات نظم مرجعية ومؤسسات حكم راشدة وشفافة.

وهو يعلم تمام العلم انها السياسة في مثل بلادنا، والتي يحب أن تُقَوَّمْ وتُصْلَحْ فيها الأنظمة القائمة بدلاً من حرقها والبدء من الصفر كما هي عادتنا وسبب ضياع جهودنا وكأن ما أنفق فيما حُرِقَ لم يكن من عَرَقِ وجُهْدِ هذا الشعب المأزوم بعقوق أبنائه. 

وأول سهم في هذا الإصلاح والتقويم يجب أن ينطلق من الصحافة الراشدة والإعلام الهادف المثابر على تحقيق هذا الهدف بالنقد الإصلاحي غير المثبط للسلطة ونشر الوعي الممنهج الذي يعتمد الإثارة الإيجابية دون السبق ذو الآثار السلبية على عامة الناس. 

ولي في ذلك وعنهم الكثير مما يقال ولكن في هذه السانحة العُجِلى أود أن أذكر بأن هؤلاء لو وجدوا على من حبسوهم خارج اطار القانون أي تهمة تستحق المحاكمة الفورية مهما كانت صغيرة لما توانوا ولما تركوهم لحظة!!! ولما تحملوا في ذلك كل نظرات الاعتراض والإستهجان حتى من داعميهم. 

ولا اعتقد أن صحفياً بقامة عثمان ميرغني يفوته أن النظام السابق مهما كان شكله وخلفيته فهو نظام شمولي بامتياز تسيره السلطة المطلقة في جميع إجراءات إدارة شئون الدولة دون القوانين واللوائح.

شأنه شأن الأنظمة السلطوية الشبيهة التي أبتليت بها شعوب المنطقة ردحاً من الزمان، ومن المعلوم أن تجاوز القوانين في ظل هذه الأنظمة يُغَطْى بقرارات جمهورية أو أوامر وزارية أو بصلاحيات منصوص عليها في صلب الدستور او تنفذ تلك الأوامر تحت مظلة دواعي الأمن القومي والمصلحة العليا للبلاد وهذا هو حال جميع الأنظمة الشمولية في العالم.

لذا لا توجد قوانين يعاقب عليها من تصرفوا في إطار أي منظومة حكم شمولي حيث لن يجد من يأتي بعدهم مخالفات قانونية تصلح للعقوبة الا في اطار ضيق جداً وهذا ما يفسر عدم محاكمة الموقوفين لآكثر من عامين بما يعتبر توقيفاً سياسيا لا يسنده قانون.

وهذا هو الواقع الذي يعقب الإطاحة بمثل هذه النُظم حيث لا تتيسر محاكمة منسوبيه وقادته الا في إطار سياسي انتقائي أو بمحاكمات ثورية انتقامية أشد ظلماً وفساداً وكل ذلك لا يتناسب مع مرامي وأهداف مرحلة الإعداد لدولة تقودها المؤسسات ويحكمها القانون والتي ثار الناس من أجل ترسيخها.

كما لا يتفق ذلك مع نهج وضوابط المؤسسات العدلية الدولية ومنظمات حقوق الإنسان والمؤسسات الداعمة لها ومن هم خلفها، والذين نستجدي حالياً دعمهم لإنجاز متطلبات المرحلة والعبور الى منظومة تتداول من خلالها السلطة بثورة عادلة ونزيهة ومعترف بها.

وهذا ما يفسر الحبس المطول دون تهم محددة أو محاكمات لمنسوبي وقيادات النظام السابق، الأمر الذي يسبب الكثير من الاستهجان والحَرَجْ للسلطة القائمة رغم أن الكثير من النافذين فيها يعضون الأصابع حنقاً عليهم.

ولكنهم لم يجدوا قوانين ناجزة ومقنعة تطولهم وترفع عنهم الحرج، غير تهمة تقويض النظام الديموقراطي الأسبق بموجب انقلاب عسكري ،وهذا ما هو متاح حتى الآن.

وفيما عدا ذلك أرى من الحكمة والعدل إطلاق سراح جميع الموقوفين رهن التهم المتعلقة بممارسة الحكم، بدلاً من حبسهم السياسي الذي لا يقل مخالفةً عن ممارسات النظام السابق والتي يسعون لتجريمهم بها.

وبدلاً عن ذلك كان الأجدي لهم وللبلاد التركيز على العمل بجد لضمان عدم تكرار تجربة الحكم الشمولي التي عانينا منها طويلاً والتي يعتبر من أميز مقوماتها إفراز مثل هذه التعقيدات والمفارقات العدلية.

وقبل ذلك كله يجب ان يتوقفوا هم أنفسهم عن ممارسات الحكم بقوة السلطة الذي لا يختلف شكلاً ولا نتائجاً، عن قهر ومظالم الحكم الشمولي العسكري وإن اختلف المدخل، كما يجب ان يعلموا ان الثورات لا تبرر السيطرة بالسلطة المجردة دون القوانين وإلا فليس هناك تغييراً ينتظر مهما كانت الذرائع والمبررات. 

التعليقات مغلقة.