المراحل الانتقالية في السودان.. لا يزال الدرس مستمراً

بقلم: عثمان جلال

(1) 

مهام الثورة العميقة إسقاط النظام القديم وبناء النظام الديمقراطي، واستحالة إنتاج نظام استبدادي جديد، وبناء مؤسسات المجتمع الديمقراطي القوية التي تدافع عنه، ولكن لا يجب أن يعتقد أحدا أن مجتمعا ديمقراطيا مثاليا سيتشكل بعد سقوط النظام الاستبدادي، فسقوطه بمثابة البداية الواثقة لبذل الجهود الفكرية والسياسية طويلة الأمد لبناء النموذج والمجتمع الديمقراطي، وهذا يتطلب إدارة المرحلة الانتقالية للثورة بروح الإجماع والتوافق والشراكات والنأي عن اقحام الايديولوجيات الحزبية أو القضايا الهوياتية.

ولكن لماذا فشلت القوى السياسية الوطنية في إدارة المراحل الانتقالية السابقة بهذا الوعي الديمقراطي؟ وهل اعتبرت من هذه التجارب في ثورة ديسمبر 2018؟.

اخفقت القوى السياسية الوطنية في إدارة مهام المرحلة الانتقالية الأولى في السودان 1953 إلى 1955 وخاصة في انجاز قضايا البناء الوطني والمتمثلة في السلام والوحدة الوطنية والنظام الديمقراطي الأمثل للحكم، نتيجة التناحر في الحكم بين الحزبين التقليديين، والتنافس حول مراكز القوة داخل هذين الحزبين، واستمرت حالة التناحر والتشاكس بعد إعلان الاستقلال من داخل البرلمان.

وفي رأيي ان السبب الاستراتيجي للاخفاق بنية الاحزاب الطائفية البرجوازية التي تتناقض مع القيم الديمقراطية، مما أدى إلى وأد التجربة الديمقراطية الاولى وصعود الدكتاتورية الأولى بقيادة الجنرال عبود 1958 إلى 1964.

(2)

بعد ثورة أكتوبر 1964 سيطر الشيوعيون على الحكومة الانتقالية تحت واجهة جبهة الهيئات الأولى بقيادة الأستاذ سر الختم الخليفة، وأدى ضغط الأحزاب اليمينية لإجراء تعديل شاركت بموجبه الأحزاب بممثل عن كل حزب في الحكومة الانتقالية، وأيضا اخفقت القوى السياسية الوطنية في التوافق على قضايا البناء الوطني الديمقراطي والسلام في الجنوب (عدم إنفاذ مخرجات مؤتمر المائدة المستديرة وتوصيات لجنة الاثني عشر)، بل دفعت أحزاب الأمة والوطني الاتحادي وجبهة الميثاق الإسلامي في اتجاه تقصير المرحلة الانتقالية والذهاب للانتخابات العامة دون اجراءها في دوائر الجنوب وقد رفضت أحزاب الشعب الديمقراطي والشيوعي ولجنة الانتخابات تنظيمها.

وإزاء هذا الانقسام والشرخ في المشهد السياسي الوطني تم إجراء الانتخابات العامة ائذانا بالتجربة الديمقراطية الثانية في السودان 1966 إلى 1969 وتجلى الانقسام والتشطي خلال هذه الفترة في وقوف المرحوم أزهري مع محمد أحمد المحجوب ضد الإمام الصادق المهدي، ووقف أزهري مع الصادق المهدي ضد المحجوب، ليس لغاية السلام والنظام الديمقراطي المستدام بل للمصالح الذاتية والتشاكسات، مما قاد لانقلاب العقيد حعقر نميري وصغار الضباط في مايو 1969.

ومن المفارقات أن القوى السياسية تنسج منوال التحالفات لإسقاط الأنظمة الاستبدادية بينما تخفق في بناء التحالفات الاستراتيجية للمحافظة على التجارب الديمقراطية ولا يزال الدرس مستمراً.

(3)

سقط نظام المشير جعفر نميري عبر ثورة الشعب في أبريل 1885م، وبعد فترة انتقالية استمرت لعام قادها المجلس العسكري الانتقالي بقيادة المشير سوار الذهب والتجمع النقابي بقيادة الدكتور الجزولي دفع الله، تم إجراء الانتخابات العامة بذات الاستقطاب السياسي الحاد، والتعاطي بعقلية الثنائيات المضرة مع قضايا البناء الوطني الديمقراطي والوحدة الوطنية(اتفاقية كوكادام 1986، اتفاقية الميرغني قرنق 1988).

(4)

هذا التراكم من الإخفاق ادى إلى تضعضع التجربة الديمقراطية الثالثة حتى صدع احد سدنتها (لو شالا كلب ما في زول يقول ليهو جر)، وقد هزوا بجذع شجرة الديمقراطية الثالثة هزا شديدا وقطف الإسلاميون الثمر في يونيو 1989.

وقد عبر بروف عبدالله علي ابراهيم عن هذه الملهاة الدائرية في كتابه صدأ الفكر السياسي السوداني (وما ان سقط النظام الديمقراطي الثالث في يونيو 1989 وجاء حكم الرجعية الماخمج حتى ضرب الجزافيون الأرض طولا وعرضا يتكففونها بالانتفاضة والثورة الشعبية والمسلحة ابوها مزعوطة واكلوها بصوفها).

(5)

استمر نظام الإنقاذ الوطني في الحكم بتقلباته وتحالفاته السياسية المتعددة، وتجلياته التنظيمية والتي استقرت تحت لافتة المؤتمر الوطني إلى العام 2019 وتخللت سني حكمه المتطاولة مرحلة انتقالية خلال الفترة من 2006 إلى 2011 ، وشاركت في هذه المرحلة غالبية القوى السياسية الوطنية.

وبدلا من أن تهتبل القوى السياسية المشاركة في هذه المرحلة الانتقالية الفرصة في دعم مشروع الوحدة الجاذبة بين الشمال والجنوب، وترسيخ التحول الديمقراطي المستدام، قوانينا ومأسسة اكتفت بمغانم ومحاصصات السلطة، بل وشاركت في اجازة القوانين الاستبدادية مثل (قانون الأمن الوطني، قانون الصحافة والاعلام).

(6)

استنفد (نظام الإنقاذ المشروعية الفكرية والسياسية) بعد ان انفض عنه معظم الإسلاميون ونزعوا عنه المشروعية وغطاء الحماية، وتعازل عن المجتمع وانكمش كمشروع سلطة محض في القصر والقيادة العامة كما أراد له الرئيس السابق البشير، ولكن ايضا برزت تناقضات مجموعة السلطة داخل القصر والقيادة العامة حتى تمت الإطاحة بالرئيس البشير بدعم وتأييد إقليمي ودولي، تحت غطاء الثورة الشعبية في أبريل 2019.

(7)

كما تعلمون فقد فشلت قحت في إدارة المرحلة الانتقالية وباعتراف قياداتها التي أجمعت أن السودان على حافة الانهيار والفوضى والحرب الأهلية الشاملة بالتالي فما الحل السحري لإنقاذ السودان من وهدة الانهيار والسقوط؟ فالبعض يرى أن الحل يكمن في الانتخابات المبكرة والبعض ابعد النجعة ودعا المؤسسة العسكرية لاستلام السلطة.

ولكن في رأيي ان الانتخابات المبكرة في ظل عدم التوافق والاستقطاب السياسي الحاد ستؤدي لاستمرار تفاقم الأزمة السياسية، ومحاولة أيلولة الحكم للمؤسسة العسكرية في ظل تعدد الجيوش والحركات المسلحة سيؤدي لذات سيناريو الفوضى والاحتراب الاهلي.

وحتى لو جرت عملية التوحيد والدمج في مؤسسة عسكرية وطنية موحدة فإن استلامها للسلطة سيؤدي في النهاية لإنتاج ذات الأزمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والهوياتية للإنظمة الاستبدادية.

فالحل سياسي في الصميم ويجب أن تتداعى لانجازه كل القوى السياسية والمجتمعية من أقصى اليمين لأقصى اليسار وزعماء الإدارة الأهلية وقادة الطرق الصوفية، والصفوة الأكاديمية والثقافية المؤثرة في الواقع السوداني وذلك في مؤتمر سوداني سوداني للحقيقة والمصالحة شبيه بتجربة الحقيقة والمصالحة في جنوب افريقيا حيث لا محاسبة للمخطئين، لأن الهدف إزالة الاحزان وابراء الجروح، ووصف رئيس اللجنة ديزموند توتو منهج اللجنة بالعدالة الترميمية وليس العقابية.

فالعدالة الترميمية التي ننشدها في السودان تصالح مع الذات، وتوافق استراتيجي للأحزاب حول قضايا البناء الوطني الديمقراطي المستدام ، وإنهاء لثقافة حمل السلاح من أجل السلطة، وإعلاء لثقافة الحوار، ودمقرطة للأحزاب الوطنية لتكون داعمة للنظام الديمقراطي، وتصالح مع الآخر الشريك في دولة الوطن، واستنهاض للمجتمع لبناء دولة قوامها المجتمع في السياسة والاقتصاد والثقافة.

والعدالة الانتقالية تعني كما قلنا في بداية المقال إنهاء ذهنية ونظام الاستبداد وعدم إعادة إنتاجه مرة أخرى وبناء مؤسسات المجتمع الديمقراطي القوية، ولكن يبقى السؤال الاستراتيجي أين مانديلا وديكليرك السودان؟. 

زر الذهاب إلى الأعلى