الخميس 23/01/26

إبراهيم عثمان يكتب: مدنيااااو

كثيرة هي الأدلة على الحقيقة الساطعة كالشمس التي تقول إن الأحزاب الصغيرة لا تستطيع الوفاء لشعاراتها، وأنها تلجأ في كثير من الحالات إلى أقصى درجات مخالفتها من أجل تحقيق أهدافها التي لا تتطابق معها، وهذا لا يقتصر على الشعارات التجميلية الزائفة ذات العلاقة بالتعامل مع الآخرين،مثل شعارات الحرية والعدالة واحترام الآخر وحقوق الإنسان فحسب، بل يتجاوزها إلى شعار مثل شعار “مدنياااو” .

الطبيعي أن “مدنياااو”، على عكس الشعارات الأخرى، لا يتضمن قيداً أخلاقياً يحمَّل الساسة أثقالاً يميلون عادةً إلى التخفف منها، وبالتالي يُفترَض أنه لا صعوبات أمامه تنتج من الأنانية ومن المسافة الحتمية بين المثال المدَّعى والتطبيق بضروراته وإملاءاته، وإنما العكس هو الصحيح، فهذا الشعار، بالطريقة التي تم تسويقه بها، كان سيبلغ الوفاء به تمامه بالمزيد من الأنانية و”المقالعة” والتحدي للسيطرة العسكرية .

ما الذي جعل قحت قدمت قحت تنازلات جوهرية عن شعارها المحبب الذي يجلب المكاسب ؟ لا يوجد تفسير منطقي لذلك سوى قناعتها التامة بأن الأحزاب المتغلبة في السلطة أحزاب فكة صغيرة ومتناهية الصغر، وأن الوفاء الكامل لذلك الشعار سيقصِّر أجلها في السلطة، وربما يحرمها من الحراسة العسكرية التي تحتاجها بشدة، خاصة في ظل سياسات اقتصادية لا تحظى بالشعبية، وكذلك في ظل توجهات علمانية تعلم عدم شعبيتها .

يضاف إلى تلك العوامل وجود أطراف أخرى في المعادلة . التنافس الشديد مع هذه الأطراف، بل الخوف والرعب، عظَّم الحاجة إلى إشباع أنانية أخرى غير تلك التي يتم إشباعها بالتنافس مع المكون العسكري، وهذا بدوره عظَّم الحاجة إلى اتفاقات فوق وتحت الطاولة، الصريح منها في مساوماته والضمني، ولهذا كانت التنازلات للمكون العسكري من أجل الإستقواء به لإشباع هذه الأنانية، ولمعالجة عقدة الصغر، والهروب من كابوس الانتخابات .

هذه العوامل أدت إلى زيادة حاجة قحت إلى الحراسة العسكرية، وأدت بالتالي إلى زيادة قناعتها بأن الحراسة الحقيقية المضمونة هي تلك التي يتم الأنفاق عليها بالخصم من ذلك الشعار، فينتج عن ذلك نوع من الخيانة له، لكنها، للمفارقة، لا تخلو من نوع آخر من الوفاء له، أي الوفاء الذي يشبع الأنانية في مواجهة أطراف أخرى غير المكون العسكري ، والأمر بهذا الخصوص بلغ درجة من الوضوح تكفي لقياسه بقدر كبير من الدقة، لتصبح المعادلة بهذا الوضوح :

*مقدار التنازلات للمكون العسكري = مقدار الحراسة + مقدار المساعدة في الدوس*

على أن تتضمن الحراسة التعاون في التمديدات المتكررة لأجل الفترة الانتقالية ودغمسة الانتخابات .

التنازلات التي قدمتها قحت للحفاظ على هذه المعادلة كثيرة، من بينها :

▪️ خيانتها لشعار “مدنياااو” من خلال حرصها على استمرار وجود المكون العسكري في السلطة لأطول فترة ممكنة، فتمديد الفترة الانتقالية يعني تلقائياً استمراره في السلطة .

▪️ صمتها التام عن “استحقاق” انتقال رئاسة السيادي للمدنيين، فلا أحد يعلم تاريخ الانتقال، ويبدو أن هناك صفقة سرية عنوانها استمرار رئاسة المكون العسكري مقابل الموافقة على تمديد الفترة الانتقالية بجانب مكاسب أخرى. إذ لم تطرح قحت أي اسم من مدنييها لتولي الرئاسة، ولم تعلن أنها بحثت ذلك، وحتى ما يشاع عن طموحات التعايشي وعن اتفاقه مع قيادة مكون عسكري على أن يؤول المنصب إليه مقابل التزامه بدعم ذلك المكون “إذا حتَّمت الحاجة إلى نقل السلطة” لا يتوقع أن يجد الإجماع من قوى قحت .

▪️ حرصها على أن يرأس لجنة التمكين أحد العسكريين، وبعد استقالته قامت بالاعتماد على سند أحد العساكر فضَّل الدعم من على البعد على رئاسة اللجنة بنفسه، في مساومة ضمنية تقوم على فكرة خلاصتها مساعدته في بعض الملفات مقابل المساعدة في دوس ضحايا اللجنة. أي تكفيره لدوس مرفوض بالمساعدة في دوس مرغوب.

▪️ حرصها على أن يتولى عسكري رئاسة آلية الطوارئ الاقتصادية .. ( أين هي ؟ أهي حية تسعى أم تم حلها، أم إنها ماتت بطريقة غير نظامية كحال كثير من أجسام هذه الفترة ؟ ) .
▪️ قبولها بأن يرأس العسكريون وفود التفاوض مع الحركات وأن تكون كلمتهم هي العليا.
▪️ رضوخها لمجلس شركاء الحكم بعد ملاحظات واعتراضات لم يتم الاستجابة لمعظمها .

ستظل عقدة الصغر فاعلاً أساسياً يتحكم في سياسات قحت ويصنع مفارقات و”خيانات” كثيرة ومتنوعة تتراكم مع الزمن وتقضي حتى على شرعيتها المزيفة وتفقدها سند كثير من المؤمنين بها.

شاهد أيضاً

اجتماعات سيادية مع جبريل ومناوي

ببساطة

إبراهيم عثمان على الذين أيَّدوا قناعةً، أو صمتوا تواطؤاً، أو تفهَّموا محاباةً، أو عذروا تنزُّلاً، …