الزيدابي يكتب: تصحيح المسار في ذكرى الثورة

تمر علينا اليوم الذكرى الأولى لثاني أعظم ثورة سلمية في تاريخ السودان – بعد ثورة أبريل 1985م – والتي إقتلعت نظاما عصيا لم يتوقع اكثر معارضيه قوة أن ينتهي بهذه الطريقة السريعة والمباغتة، ولو لا لطف الله تعالى ثم إنحياز القوات القوات النظامية الرباعية (القوات المسلحة والشرطة والأمن والدعم السريع) للثوار المعتصمين أمام القيادة العامة – وقتها – لحدثت مجزرة بشعة تفوق مجزرة رابعة العدوية في الشقيقة مصر.

هذه الثورة المجيدة أفرحت كل وطني غيور ورفعت رأس السوداني أكثر في بلاد المهجر كونها مثلت حالة فريدة في دول الربيع العربي التي أهلك أبناؤها الحرث والنسل بعد سقوط طواغيتهم، فدخلوا في صراعات مريرة للجلوس على سدة الحكم تساندهم في ذلك أنظمة إقليمية ودولية ترى مصلحتها في هذا أو ذلك مثل ليبيا .. وقس على ذلك اليمن وسوريا.

المؤسف حقا هو صعود الشيوعيين والبعثيين والجمهوريين على أكتاف الثوار – الذين بذلوا الأرواح والدماء رخيصة في سبيل غد مشرق – تحت مسمى قوى الحرية والتغيير وتجمع المهنيين للظفر بكراسي الحكم، وتقسيمها بينهم في محاصصة حزبية بغيضة وإقصاء القوى السياسية الأخرى المعارضة للنظام البائد والتي لم تنضم لهم لأسباب مختلفة.

هذه القوى الأقلية فاوضت المجلس العسكري بإسم الشعب، ووقتها كانت مطالبها تعجيزية وظنت أن العسكر لا سند جماهيري لهم وأنهم وحدهم يملكون الشارع ولكنهم صعقوا عندما تحرك قائد الدعم السريع – حتى بعد جريمة فض الاعتصام – وبدأ تنظيم لقاءات جماهيرية أبرزت قوة المجلس العسكري في الشارع، وهنا بدأ سقف مطالب “قحت” ينخفض خوفا من ضياع فرصتهم في الحكم حتى وقعوا صاغرين على الوثيقة الدستوية.

مع رفع شعار “تسقط بس” أعلنت “قحت” أنها تملك خطة إسعافية لإصلاح معاش الناس بعد ذهاب نظام البشير، ولكن – وآه من لكن – إتضح للشعب إن خطتهم هي تبديل تمكين المؤتمر الوطني بتمكين كوادر “قحت”، وتوظيفهم عبر أمانيهم المسطرة بالفيسبوك، وإستجداء الدعم الخارجي، ووضع يدهم على كيانات منتخبة سابقا مثل اتحاد الصحفيين والعمال والمحامين … الخ.

نسي قادة “قحت” بعد جلوسهم على المقاعد الوثيرة المطالب بالقصاص لمن فقدوا أرواحهم في اعتصام القيادة العامة، وتجاهلوا البحث عن المفقودين، ولم يهتموا بالجرحي ومن فقدوا أطرافهم، وإكتفوا بتشكيل لجنة لاتملك صلاحيات التحري مع أعضاء المجلس العسكري السابق ناهيك عن إدانتهم، بحسب الوثيقة الدستورية.
الآن يعاني الناس الأمرين في توفير لقمة العيش لأسرهم في ظل أوضاع أصعب بكثير مما كانت سائدة في عهد النظام البائد وارتفاع حاد للتضخم والدولار طارت معه الأسعار للسماء مع ثبات الراتب الهزيل الذي لايسمن ولا يغني من جوع، فضلا عن تكاليف العلاج وعدم وجود مواصلات، زادت عليهم الحكومة الإنتقالية بفشلها في إعلان الميزانية العامة للعام الجديد الذي يحل بعد 12 يوما فقط.

هذه ليست دعوة لإسقاط الحكومة الإنتقالية – رغم اليأس الذي أصاب عدد كبير من الشعب السوداني – بل هي دعوة لتصحيح المسار الذي تسير فيه وأن يتركوا الخصومات الشخصية مع النظام البائد جانبا والإهتمام بمعاش الناس وتوفير العيش الكريم لهم، فهذا الشعب لاينبغي أن يعاني وتحت نظره كل تلك الخيرات الوفيرة بداية بالأراضي الخصبة والثروة الحيوانية ونهاية بـ”جبل عامر” الذي لانرى له أي عمار إنعكس على الشعب السوداني.

التعليقات مغلقة.