الثلاثاء 21/12/07

قصة واقعية: زاهية والأرض السبخة «3-4»!

بقلم: عادل عسوم

(أحداث هذه القصة حقيقية في الكثير من تفاصيلها، لكنني قمت بالتحوير في أسماء شخوصها، ونُذُرٍ من تفاصيلها، حرصا على السِتر، واتساقا مع سياق القصة).
..

أتت الخادمة الحبشية وحملت حقيبة زهرة الصغيرة وأدخلتها إلى غرفة جانبية وعادت لتصوب حديثها إلى الوالدة وتعلمها بأن الغداء جاهز، واتجهت زهرة إلى دورة المياه لتغسل يديها ووجهها، وشرعت تتجول ببصرها في أرجاء المنزل، كم راقها جماله وأثاثه الفخم، وكم أعجبتها الألوان ومنظر اللوحات الكبيرة الرائعة التي تزين الجدران، شرعت تقارن حال أسرتها بحال أسرة نازك فانتابها شعور غير مريح لم تعلم أهو حسدٌ أم غيرة، أَسَت لحالها وهي تنظر الى وجهها في المرآة، واذا بنازك تناديها:

– زاهية شنو؟! الغدا دا برد يابت؟

– خلاص جاية يانازك…
وجلست الى المائدة بين يدي ترحيب نازك النابع من القلب وحنان والدتها التي ما فتئت تقرِّب إليها اصناف الطعام وتحلف عليها بأن لا تنهض الاّ بعد أن تاتي عليه جميعا.

وما ان حلّ المساء عاد زهير بدعوى أخذهم للطواف على معالم المدينة، ولم يعودوا الاّ بعد انتصاف الليل حيث تناولوا وجبة العشاء بدعوة من زهير في أحد مطاعم المدينة.

أمضت زهرة يومين وليلة لم يفارقهم خلالها زهير الاّ قليلا، وكان يذهب الى (دكان الجملة) الذي يخص المرحوم عمه ووالد خطيبته نازك، والاخيرة كانت تتقبل كل تصرفاته بقلب أبيض وطيبة تنم عن سماحة وجدان وسلامة نفس.

وفي صباح السبت أوصلهما زهير الى الكلية مع بداية المحاضرة الأولى، وسمح لهما المحاضر بالدخول فلم تجدا سوى مقعدين متباعدين لتجلس كل منهما على احدهما، وأدخلت زهرة يدها في حقيبتها لتتفاجأ بظرف به مبلغ من المال وقد كُتِبَ على الظرف هذه العبارة:
مع تحياتي لك يا زاهية.
زهير.

وفي المساء رن هاتفها، فإذا بالمتصل زهير، فبادرته قائلة:
– انت الأداك رقمي دا منو؟!
– كدي خلينا من رقم تلفونك وطمنيني عليك.
– طيب نازك عارفة حكاية القروش الختيتا لي دي؟!
– يازاهية خليكي من بت عمي دي هسّي وجاوبيني.
– يا أخ زهير حرام عليك والله، مش نازك دي خطيبتك؟!
– دا موضوع طويييييل، بحكيهو ليكي يوم ان شاء الله، المهم حبيت أطمئن على أنك بخير، سلام.

ليلتها سهرت زهرة طويلا، وظلت تتقلب على فراشها متنازعة النفس وسط زخم من المشاعر المتناقضة ظل أوارها مشتعلا في دواخلها لساعات، فإذا بها تجد نفسها في غابة جميلة، تتخللها نوافير مياه عديدة، وتكتسي الغابة بعدد كبير من الأشجار المزهرة تضج بزقزقة العصافير ويكتنفها نسيم مشبع برائحة الورود .

لكنها كلما لمست وردة من الورود تجد يدها قد تخضبت بالدماء!، فتنتزع يدها بسرعة ويتملكها خوف شديد، وتنتفض بشدة لتجد نفسها تتوسط فراشها جالسة وقد أصبح صباح جديد!.

لم تستطع زهرة مقاومة اغواء واغراء زهير، اعتادت الخروج معه كثيرا دون علم نازك، رأت آثار النعمة بادية عليه، وابتاع زهير سيارة جديدة مكيفة، وظل يغدق عليها بالمال ومن الهدايا الكثير.

علمت زهرة من زملائها وزميلاتها بأن زهير كادرٌ نشط من كوادر الحزب الحاكم، سألته عن ذلك مرة فقال لها بأنها مصلحة!، وأن الحزب هو الذي سعى اليه لكون اسرته من أشهر بيوتات المدينة، وسألته أيضا عن طبيعة شعوره تجاه نازك فقال لها بأنها لا تزيد عن مشاعر ابن عم تجاه بنت عمه! وعندما سألته عن أمر الزواج منها قال بأنه ليس سوى ترتيب من العائلة دون رغبة منه!.

لكنها كانت تعلم كذب زهير، فقد أخبرتها نازك بأنه الذي سعى إلى الخطوبة بمجرد عودتهم من الإمارات، (ولعله فعل ذلك ليضمن السيطرة على أملاك عمه المرحوم) قالت زهرة ذلك لنفسها.

لكنها بقيت تغض الطرف عن كل ذلك، فالذي يعنيها في المقام الأول تأمين متطلباتها من زهير، وتشبثت به أكثر لاعجابها بحديثه الذي يشي بثقته بنفسه، ولقوة شخصيته، ولهيبته بين أهل تلك المدينة… فيغمرها احساس كبير بالأمان كلما خرجت معه.

لقد وجدت فيه الرجل الذي كانت تبحث عنه في خيالها، إذ هو بجانب صفاته تلك كان الصيد الثمين الذي يحقق لها الكثير مما تفتقده، لكنها ظلت أسيرة لمشاعر سالبة تخصم -بل وتئد- كل شعور بسعادة يضفيها عليها، وتَمَنّت لو أنها التقته قبل أن تتعرف إلى نازك، اذ كم يؤلمها أن تجد نفسها في موضع الخائنة لصديقتها، ماذا تقول نازك إن علمت بأنه عرض عليها الزواج دونها؟!.

وتمر الايام… وتكتشف زهرة كل يوم عيبا جديدا في زهير!

الكذب…
الجشع…
البخل الاّ تجاهها… نفاقه في علاقته ببنت عمه نازك… سرقته لأموال الحزب الذي ينتمي اليه سياسيا…
وغير ذلك كثير.

وبعد مرور أشهر، يصبح زهير مسئولا ولائيا بدرجة وزير ولائي، وينتقل إلى مكاتب الولاية المجاورة لمباني الجامعة ليتخذ من سيارات الحكومة مطايا له، أما زهرة فقد ألزمت زهير بتعيينها في وظيفة (صوريّة) بمكاتب الولاية، لكن زهير طلب منها قبيل تعيينها أن تطلب من نازك التوسط لديه ليبدو الأمر طبيعيا، فاستجابت نازك -البريئة- رغبة في خدمة صديقة تعلم مدى حوجتها المادية.

وبدأت الألسن في المحيط الجامعي تتحدث -بصوت خفيت- عن العلاقة الجديدة بين زاهية والمسئول الكبير، ولكن لم يجرؤ أحد بأن يتحدث جهرا عن علاقة سعادة الوزير بإحدى الطالبات في الجامعة!.

وبدأت زهرة تتلمس مواطن أقدامها في عوالم جديدة، تملكها إحساس بأن زهير ليس بالشخص الذي يشبع تطلعاتها الكبيرة، أعانتها على ذلك بعض نظرات الاعجاب من وزير هنا ومسئول كبير هناك…
ثم وجدته…

إنه وزير كبير من أحد أحزاب حكومة الحوار الوطني الجديدة، ستيني تعلق حباله ببنت عشرين كما يقول كابلي، فتمهر معه صك زواجٍ عُرفي ولكن باشتراط منها بالاحتفاظ بالوثيقة دونه، وذلك عندما رفض الوزير الكبير الزواج الصريح بينهما.

وتصبح زاهية مسئولة مكتبه والآمر الناهي في الوزارة، ولم تنس بأن تستميل إليها محاسباً ضليعا وآخر يلمُّ بكل خفايا مسار الأموال من المركز الى الولاية، وبعد أشهر قلائل ابتاعت بيتا تحيط به حديقة غناء في أحد أرقى أحياء العاصمة، وأتت بأسرتها من الريف لتسكنهم فيه، أما زهير فاستقوت عليه وازاحته عن طريقها، بل عن المنصب الذي تقلده!.

وتكمل زاهية البكالوريوس، ثم تشرع في الماجستير، وتحرص على الانتظام في دورات للغة الانجليزية المكثفة لاكمال هالة الكاريزما المطلوبة لترتقي وظيفيا أكثر، وعَنَّ لها أن تقرأ في تأريخ وأدبيات حزب الوزير حيث أعانها هو على ذلك مستصحبة ذكاءها الوقاد وحسن أدراك فُطرت عليه، وتصبح ملئ السمع والبصر من قادة الحزب الطائفي، وإذا بمخصصاتها تزداد من الحزب والحكومة المركزية معا، وعندما استشعر الوزير رضا قادة حزبه عن زاهية طلب منها تحويل زواجهما العرفي الى زواج يعلنه بنفسه على الناس، لكنها رفضت ذلك!.

وازدادت وتيرة سفرها الى العاصمة من خلال مهام مدفوعة الأجر، بعضها من مخصصات الحكومة والآخر من مخصصات الحزب،
وخلال كل ذلك كان أمر قلبها عجيب!…
لقد أحبت زهير بكل مافيه من سلب!.

لعله كان أول من خفق له قلبها حقا من الرجال، لكنها كانت تدوس على مشاعرها كلما ساقها خيالها الى أيام زهير، وبقيت صورة نازك (وضيئة) في خيالها، فتنتابها غصة أليمة في حلقها وطعنة في صدرها كلما طافت بخيالها.

…يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.