صحيفة متاريس السودانية موقع إخباري

سناء حمد تكتب عن زواجها والوزيرين للعروس

يومٌ أعيش فيه .. .. ….

يقرع باب بيت ناس عم محمد حامد” رحمه الله” ، كنت في هذه الليلة عندهم بلا تدبير ..عند صديقتي ابتسام واخواتها..تفتح الباب وتأتي ضاحكة .عاصم عاوزك في الحوش ..أجد عاصم سيد يكاد ينفجر من الضحك ..يسألني ليه طلعت من الحنانة قبل ما أجيك؟ انا والله أخرني حمدي وكلمتو هو واحمد مهدي قلت ليهم المجنونة دي ما راح تنتظر !! ..هي ما بتقدر تقعد في حتة ما بتعرفا !! ومشيت فعلاً قالوا لي طلعتي!! انت ما معاك قروش وصلت هنا كيف !!.

رديت بكلمة واحدة اووتا!! طلعت اشرت للعربات وقف لي بوكس شايل غنم ! ركبت معاهو..دردش معاي طلع اقرباؤه جيرانا بالحيطة ، وبيعرف اخوي..قال والله غريبة انا كنت اصلاً ماشي عليكم ..!! اها انت اخت العروس الاصغر ولا الأكبر ؟ قلت ليهو انا العروس ذاتا!! فصعق لما قبض فرامل !! يا زولة قولي كلام غير دا ..

ويضحك عاصم حتى يجلس على سرير في الحوش ..وبين ضحكاته يكرر يا مجنونة ..مجنونة والله .. ثم يسألني اها وجيت هنا كيف؟ اصر الاخ اني ما انزل في بيت العرس ! لانه بيكون مليان وماف عروس بتقعد في بيت المناسبة ..ياااخ البيت مليان باهلى واخواني..نزلني!! ..حلف ما انزل !! فطلبت منه يجيبني هنا ..وانا الان عاوزة ارجع البيت اطمئن على الحاجات …يلا نمشي…. ، نمشي وين ؟ نمشي بيتنا !! والله حمدي يتشلا لو وديتك هناك !! طيب والحل ؟؟! اسمعيني التور وضبحناه والطباخ وحضر ..والصيوان بيدقا …والضيوف ضيوفنا قبل يكونوا ضيوفك اخواتك واخوانك بايتين ملء البيت ، والمجاهدين الجرحي رتبنا عربية عشان تجيبهم..ناس مستشفى النو بعيدين .. ما راح يجوا !! تاني عندك حاجة ؟؟! ،

أيوة ..علي عبدالفتاح والناجي عبدالله وعصمت محمود ..لازم يحضروا … تمام بيحضروا لكن علي الا في كرسي ..!! ما مشكلة ان شاءالله بسرير المستشفى بس يجي!! والمأذون ..حا يجي يا شيخ حسن ..واذا لا شيخ علي!! عاين والله الشيوخ ديل على رأسي ، لكن مافي طريقة يعقد لي شخص من خارج الأسرة ، اهلي صعب يقبلوا ، لكن اسأل أبة وعمي حسن هم البيحددوا اذا بيعقدوا هم او يقبلوا بمأذون من برة !!.

في مثل هذه الليلة 13/12/1995..كان عاصم وحمدي ..يحيطان بي ..يقومان بكل شئ !! بصدرٍ رحب وحماس ، وهما يقولان نحن متفرغان لمهمة وزراء عروس ، يضحك اليسع الصديق بعدها وهو يقول لي : سألتهم انتو وزراء منو في الاخوان .. قالوا انتِ .. فلم أصدق ! قال الا لما لقيتم جادين ..!! يااخ والله انت عندك وزراء على مستوى ضابط ومهندس.

ثم اتي يوم الزواج ..حضرا يباركان بعد العقد ..وعيونهما ملؤها الدمع!! انتو مالكم عاوزين تبكوني !! يااخ حا تفارقينا ..، افارقكم وين !! انا خايفاكم تصاحبوا هيثم دا وتخلوني !! !! بالمناسبة العقد منو ! قالوا عمك حسن البيلي بنفسه ! ..ورفض ان تنشد فرقة السحر !! كلمناهو ان دي اناشيد اسلامية !! قال لو ابوها حي ما بيسمح بالموسيقى في منزله ، ولذلك وهو ميت نحن ملتزمون بما يرضى!!.

طيب انا عاوزة اسلم على الناس ..لا اول تمشي الاستديو للصورة !! الصورة! ! الصورة ملحوقة إنما اخواني لا !! اسلم على الناس اولاً .
حضر العريس وذهبنا للصيوان فاكتحلت عيناي بهم ..الجرحي وهم بين معصوب الجبين ومعصوب القدم ..وعلي متقدم على الناس حتى في الابتلاء فقد أتى من المستشفى وهو مصاب في قدماه ويده.. ما أزهى ذلك المكان ومد البصر اخوتي واخواتي..القلوب خُضرٌ والشباب في ريعانه ..وملء قلوبهن وقلوبهم هم هذا الدين وهذه الدعوة وهذا الوطن.

اليوم بعد اكثر من ربع قرن وفي ذات الليلة واليوم ..انا هنا ..اقف وحدي بدونكما !! وفي غُربة !! لقد مضى عاصم اخي وصديقي ورفيق يفاعتي ورشدي ..ارتقى لله شهيداً في كايا ..في اقصى حدود جنوب السودان بعدها بعامين فقط !! آخذاً معه نصف عمري وذكرياته..وما زال جرح فقده لم يبرأ.

ومضى بعده عليّ وسربٌ من حضور ذلك اليوم ..وبقى حمدي..كلما ضعفتُ او ضاق صدري ..الجأ له ..نحكي ونبكي ثم نضحك ونذكر من سميّ على الحلبي ، نبدأ بعاصم فتح الرحمن الجعلي وقد سميّ عليه في حياته ثم عاصم خالد م. خير وعاصم نجيد ” عاصم ود منى “، وعاصم حمدي وعاصم محمد سيد .. ..وكل من سميّ عليه ولم نعرفه وندعو لهم جميعاً ان يجعلهم الله مثل سمّيهم خُلقاً وأدباً وعطاءً وهمّاً بالدين والدعوة

ثم أمضي وقد عاد لي العزم والأمل والرجاء وحسن الظن بالله ..كان حمدي يملكُ حسنٍ ظنٍ بالله عجيب ويملك قلباً نقيّاً لا يسعه ان يحبس فيه غضباً ولا شراً ..ويملك قدرةً لا تُضاهي في الاحساس بمشاكل الآخرين والسعي في حلها بحماسٍ وهمة ، حتى ولو على حساب عياله ونفسه ..ما يملكه لا يملكه.

يهوى ذكر الشهداء ومن مضوا ..ونبكي انهم خلفونا بعدهم ..ونبكي ونحن نسأل بعضنا هل سيجمعنا الله هناك مع اخوتنا الذين احببناهم فيه ام سيركمنا في جهنم ؟؟ فيبكي حتى ينشجُ ، وانا أسأل ..تتصور عاصم سيد ممكن يتركنا نمضي للنار ولا يشفع فينا ؟؟! لا اظن !! فيسكُن ويقول لي الله بطمِّنِك ..أكيد ما بيخلينا !!.

ثم فجأة مضى حمدي..
مضى بهدوءٍ لا يشبهه .. وبسرعةٍ تشبهه..

اليوم تمر عليّ تلك الذكرى ..بتفاصيلها ..غير ان أدمعي لا تكف ، اسمع ضحكاتهما !! ..واسمع ايمان فتح الرحمن ومواهب عبدالعزيز وهما لا تكفان عن مهاترتهما !! ..
انتما تحتلان ذاكرتي ..هل تراكما تذكرانني ؟! يا عاصم عهدي معك الجنة ! .. .

ياااااااالله ، بعدكما الدنيا يباب بلا طعمٍ ولولا رفيق دربي لما احتملتها !! في هذه المناسبة أراكما ..كيف لا ادري !! ولكني اراكما !! فأبتسم حين أرى ابتسامتكما واضحك حين أسمع ضحكاتكما … صافيةً من قلوبٍ سليمة .. فإلى متى بعدكما المُقام …الى متى ؟! لا أملك الا أن اطمع فيه جل وعلا .. أن يكرمني فأنا بلا زاد إلا الطمع فيه ، ودعائي أن يجمعنا في ظله يوم لا ظل الا ظله حيث لا تعب ولا فقد ولا رهق.

التعليقات مغلقة.