صحيفة متاريس السودانية موقع إخباري

الصناديق تخون!

بقلم: إبراهيم عثمان

*”الصناديق تخوننا” .. العبارة الغائبة حرفاً والحاضرة معنى في كل أقوال وأفعال أحزاب الفكة، ولا سيما في عبارة ” الشوارع لا تخون” .. يقولها هذا التأكيد على نزاهة ديمقراطية الحشود.

حيث دقة “التعداد السكاني” بالفيديو، ونزاهة توزيع “الدوائر الجغرافية” بتقسيمات شاشة الجزيرة، وصدق “الدعاية” بكليشيهات فوزي بشرى ومنحوتاته اللفظية، ودقة “التسجيل” في دفاتر الحضور الثوري، ونزاهة “التصويت” بالمتراس ، وأمانة “الفرز” بالتقدير، ودقة “النتائج” التي تعلنها الشوارع التي لا تخون ولا تعاند المستنيرين الذين يصرعون أعمدة الإنارة، وتحتضن إعلانات “الفوز” التي تشهرها لوحات الإعلان المهشمة، وترصف الطريق نحو السلطة لأولئك الذين يزيلون ما يستطيعون إزالته من رصفها، “ليصادق” فولكر والسفراء على النتائج، ويتبادلوا مع الفائزين/ زوارهم المزمنين أنخاب الفوز ..*

(الصناديق تخوننا) .. تقولها أحزاب الفكة بعشرات الطرق، تقولها حين ترفع قبعات الاحترام والتقدير الكذوب (الشعب شعب واعي والردة مستحيلة) حين يكون الحديث حديث تمكين انتقالي ونُطْق باسم الشعب، ومزاعم تفويض.

لكن ذات الأحزاب هذه تعود وتحتقر الشعب حين تسحب الاعتراف بهذا الوعي العظيم فجأةً وجملةً حين يكون الحديث عن الانتخابات !! ليكون الحديث عن الجهل المسيطر والأمية المتفشية والبيئة الاجتماعية والتشريعية غير المواتية لإعطاء الشعب حق الاختيار !!.

كما يقول البعثي م. عادل خلف الله : (إذا كان المقصود بها – أي الانتخابات -، إشراك الشعب وقياس اتّجاهات الرأي العام عن مَن يُعبِّر عن مصالحه؛ هذه الخطوة تتطلّب إحداث تغيير اجتماعي وتشريعي وإبعاد تأثيرات النظام البائد في تشكيل الرأي العام) .. وليكون الخديث عن الشعب الجاهل الذي لا يختار إلا الكرور كما تقول الناشطة اليسارية ميمونة أبو حراز : ( الانتخابات تاني حتجيب “الكرور” طالما القواعد تعبانة ما متعلمة ما مستنيرة)!!.

(الصناديق تخوننا) .. تقولها أحزاب الفكة حين تتغزل في عزيمة “هذا الجيل” التي لا يشوش عليها أو يهزمها تزوير، وإرادته الغلّابة، التي تحرس الحقوق حراسةً لا يبطلها مكر أو تدبير، وتغني لقوته التي تقتلع الأنظمة من الجذور.. لكن إذا تعلق الأمر بالانتخابات، خارت القوة ، وتلاشت الإرادة، وتبخر التصميم، وسهل التزوير، وعجز الجيل الذي يحرس دولة بكل شؤونها عن حراسة صندوق انتخابات!.

ما بين الوعي الأسطوري الذي تزعمه قحت لجمهورها، وتنفخ فيه إلى درجة المطالبة باعتماد هتافات مواكبها كصوت للوعي الخالص الذي يعبر عن الشعب كله ويعطيها تفويض الحكم، ما بين هذا، والمطالبة بتطويل فترة الحكم وتأجيل الانتخابات إلى حين توعية الشعب (الذي فوضهم أصلاً بوعيه!) ليستحق أن يُعطَى حق اختيار ممثليه!! ما بين الإثنين يظهر تدجيل قحت وكذبها، في الحالتين، واضحاً لا تخطئه عين حتى لو كانت حولاء.

(الانتخابات تخوننا) .. تقولها أحزاب الفكة نفسها في أثناء دفاعها عن نفسها ومحاولاتها لنفي تهمة فوبيا الصناديق، فالدفاع، بكل تفاصيله، يوصل العبارة مكثفة وأكثر بلاغةً وافصاحاً ، ويقولها أيضاً التاريخ الذي لا يسعفها بدليل مضاد.

(الصناديق تخونهم) .. يقولها الآن حزب الأمة حليف أحزاب الفكة عندما لا يردد ما تردده من شكوك واشتراطات متعسفة بخصوص الانتخابات، على غير عادته في بقية قضايا السجال السياسي التي تتطابق أقواله بشأنها مع أقوال حلفائه، وكان – إلى ما قبل رحيل الإمام وسيطرة يسار حزب الأمة – يقولها صريحةً لا تحتاج إلى بحث بين السطور (يجب أن نأخذ من مناصب الولاة ما يناسب وزننا ، و”أي كاني ماني” سنطالب بانتخاب الولاة)!.

يقولها تبادل الأدوار الكاشف الفاضح المتمثل في تقمص أحزاب الفكة ، منذ أن حكمت، شخصية المعارض الذي لا يثق في قدرة، أو رغبة، السلطة في إقامة انتخابات حرة نزيهة، بينما المعارضين لايشككون ولا يتعسفون في الشروط رغم تقييد حرية بعضهم، وحظر بعظهم، ورغم علمهم بأن أحزاب الفكة ستفعل ما في وسعها لهندسة الانتخابات وتفصيلها على مقاسها.

تبادل الأدوار الغريب هذا يقول، بأفصح لغة، إن الطرفين يتفقان، رغم التضاد الظاهري، على أن هناك حقائق أساسية بخصوص تفضيلات الشعب في الانتخابات تسعد بها المعارضة، وتشقى بها أحزاب الفكة، ويقول إن هذه الحقائق هي من القوة بحيث لا تعالجها هندسة انتخابات ولا يبطلها تسويف.

(الانتخابات تخوننا) .. تقولها أحزاب الفكة التي تبشر الشعب بقدرتها على إنجاز كل شئ، وفي كل المجالات، على الوجه الأكمل، أو الذي يقترب من الكمال، وفي أسرع وقت ممكن، ما عدا الانتخابات الحرة النزيهة، فهي لا تعد بقدرتها على إنجازها، إلا في مقابل تفويضها، بواسطة الشعب الواعي، للحكم لمدة طويلة لتتمكن من توعيته قبل إجرائها!.

التعليقات مغلقة.