صحيفة متاريس السودانية موقع إخباري

العلمانية: من التطمين إلى التحصين!

بقلم: إبراهيم عثمان

مسافة كبرى قطعتها خطابات ورثة نظام الإنقاذ تجاه العلمانية، ما بين خطابات البدايات التطمينية (لا علمانية في الفترة الانتقالية لأنها ليست من صلاحياتها أصلاً) كما كرر متحدثو قحت كثيراً، (نعترض على خلو وثيقة “قحت” من مصادر التشريع، ونتمسك بتضمين الشريعة كمصدر أساسي للتشريع ) كما قال المجلس العسكري في رده على الوثيقة الدستورية التي قدمتها قحت.

مسافة كبيرة بين خطابات البداية هذه، وخطابات النهاية التحصينية، أي التي تجعل العلمانية ثابتاً أساسياً لا يُطبَّق أثناء الفترة الإنتقالية فحسب، بل ويُصادر المستقبل لصالحه بتحصينه بمبدأ فوق دستوري يحميه من مفاعيل الانتخابات وإرادة الشعب واختياراته (كما جاء في تحذير أسماء محمود محمد طه من خطورة “ناس المساجد” و”الجماهير” على العلمانية، وضرورة إبعادهم من المؤتمر الدستوري. وكما جاء في وثيقة “تجم” الأخيرة، وكما جاء في الاتفاق الإطاري مع الحلو، وكما جاء على لسان البرهان في خطابه أمام الجالية السودانية في قطر، وفي مؤتمره الصحفي بعد قرارات ٢٥ أكتوبر ) .

.معلوم أن كل الشركاء/ الفرقاء يجتمعون على العلمانية، بعضهم رغبةً وانحيازاً لفكرةً أصلية عندهم، وبعضهم رهبةً أو رغبةً مستجدةً لدواعي الإلتزام بالإنكيت السياسي في المعسكر الدولي والإقليمي الذي اختاروا الاندراج فيه.

ومفهومٌ أنهم في البداية كانوا يخشون الغضب الشعبي الذي كانوا يتوقعون أن يكون قوياً، وحتى تحايلهم لتطبيقها بالتدريج ودون تبشير وإعلام مكثف كان مفهوماً كسلوك طبيعي لأصحاب بضاعة بائرة سيجربون استغلال حالة الغيبوبة والهياج لدسها وسط بضائع أخرى وتمريرها على استحياء .

ما الذي يفسِّر هذه النقلة الكبرى من حالة التطمين والتبرؤ والتأجيل وترك حسم المسألة للانتخابات ورأي الشعب إلى النقيض تماماً حيث الصدمة والتبني الكامل والتعجيل والتصريح بالنية على العمل عمداً (لقطع الطريق) – وهذا التعبير أُستُخدِم – أمام أي قوة منتخبة تفوز في المستقبل ببرنامح غير علماني وتهدد هذا الثابت العلماني المحصَّن ؟ في تقديري أن هذه النقاط ستساهم في تفسير هذه النقلة الكبرى:

▪️ نجاح سياسة السواقة بالخلا التي مارسها جميع شركاء الفترة الانتقالية في خم نسبة معتبرة من الجمهور، وفي تحييد نسبة أخرى، وفي إهدار جهود الأقلية المتصدية بلا مهادنة أو مجاملة.

▪️ ازدياد تأثير الخارج على أصحاب القرار وغلبة استرضائهم على استرضاء الداخل .

▪️ردود الفعل الشعبية الباهتة على بداية تطبيق العلمانية، وانخراط جزء معتبر من الشعب في ممارسة الحريات العلمانية في المظهر والسلوك وتفشي الخلاعة وشرب الخمر وغيرها من المظاهر والسلوك العلماني.

▪️ علو صوت التيارات الشعبية الممارسة للحريات العلمانية، وإثبات أنهم القوى الحية القادرة على الفعل السياسي في الشارع وتخويف الحكام .

▪️ انشغال جزء معتبر من الإسلاميين باسترضاء العساكر وتجنب سخطهم ودوسهم الكاسح الماسح، وبالتالي التغاضي عما يظهرونه من علمانية ظاهرة، وعن دورهم الحاسم في إقرار العلمانية كمبدأ فوق دستوري يحرسه الجيش كما هو الحال في تركيا.

▪️ تشتت جهود الجزء الآخر من الإسلاميين ما بين مواجهة المد العلماني الكاسح، واسترضاء قحت، والعمل من أجل الاندراج في صفها.

▪️ تفكيك “تيار نصرة الشريعة” وتشتيت قياداته ما بين السجون والمنافي، واستخدام بعض التيارات الإسلامية في ضربه (التيار الجامي المدخلي ، وقيادة الإخوان المسلمين “عوض الله حسن سيد أحمد” وتصريحاته ضد التيار وضد تظاهراته الرافضة للوثيقة الدستورية والمنادية بالشريعة) .

كلنا مسؤولون، وكلنا مساهمون في إنجاح خطة السواقة بالخلا، بدرجات متفاوتة، وحتى رفضنا للعلمانية لا يزيد عن رفع العتب وتسجيل الموقف وتبرئة الذات، مع عدم عرقلة خطة التحصين ..

تباً لقحت
تباً لتجم
تباً للحلو،
تباً للبرهان

*تباً لنا*

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.