الجمعة 23/01/27

ليلة النصف من شعبان

بقلم: عادل عسوم

كنت أرى الذي رآه الشيخ عبد العزيز بن باز في شأن هذه الليلة طوال فترة دراستي في جامعة ام القرى، والشيخ إبن باز رحمه الله يرى الاحتفاء بليلة النصف من شعبان بدعة، ويقول في ذلك:

[ومن البدع التي أحدثها بعض الناس: بدعة الاحتفال بليلة النصف من شعبان، وتخصيص يومها بالصيام، وليس على ذلك دليل يجوز الاعتماد عليه، وقد ورد في فضلها أحاديث ضعيفة لا يجوز الاعتماد عليها.
أما ما ورد في فضل الصلاة فيها، فكله موضوع، كما نبه على ذلك كثير من أهل العلم].

انتهى قول ابن باز رحمه الله.

لكن قُدِّر لي أن ألتقي بالشيخ الألباني رحمه الله، وقد جالسته مرات عديدة، والرجل أراه -والله حسيبه- خير من اشتغل بعلم مصطلح الحديث من بعد الشيخ البخاري -أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري- رحمه الله، فسألته عن صحة هذا الحديث:

عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله ليطّلع ليلة النصف من شعبان، فيغفر لجميع خلقه، إلاّ لمشرك أو مشاحن).
رواه ابن ماجة، وابن أبي عاصم، واللالكائي.

قال لي الرجل -من فمه لأذني:
– لقد جهدت كثيرا في شأن هذا الحديث واستقصائه، وأقول بأنه صحيح.

وبعد سنوات صليت مع الشيخ المغامسي -صالح بن ناصر المغامسي-، عندما كان إماما لمسجد قباء في المدينة المنورة، وسألته عن ليلة النصف من شعبان، فقال لي أطال الله عمره، ان العمدة فيها ذات الحديث أعلاه، وافادني بأنه يرى صحة الحديث بناء على تصحيح الشيخ الألباني له.

هذا الحديث الشريف الذي يتحدث عن ليلة النصف من شعبان، كان دافعا لي لأن أتقصى ماورد عند فقهائنا الأربعة فوجدت الآتي:

لنبدأ بالمذهب المالكي:
لقد جاء في التاج والإكليل، وهو من كتب المالكية: “رغّب في قيام تلك الليلة” (يعني منتصف شعبان).
والحديث أعلاه أورده الإمام أحمد في مسنده، ولكن برواية عبدالله بن عمرو.

وقال الإمام الشافعي رحمه الله في كتاب الأم: “أنا أستحب كل ما حكيت في هذه الليالي (منها ليلة النصف من شعبان)”. وما حكاه هو القيام والدعاء والذكر.

وقال ابن نجيم من الحنفية: (ومن المندوبات إحياء ليالي العشر من رمضان، وليلتي العيدين، وليالي عشر ذي الحجة، وليلة النصف من شعبان، كما وردت به الأحاديث) “البحر الرائق”.

وهو مذهب الحنابلة أيضا، كما في “شرح منتهى الإرادات” للبهوتي، وقال ابن تيمية: (وأما ليلة النصف فقد روى في فضلها أحاديث وآثار، ونقل عن طائفة من السلف أنهم كانوا يصلون فيها، فصلاة الرجل فيها وحده قد تقدمه فيه سلف وله فيه حجة فلا ينكر مثل هذا) “مجموع الفتاوى”.

وبذلك فقد ذهب جمهور الفقهاء من المذاهب الأربعة المتبوعة إلى استحباب إحياء ليلة النصف من شعبان، لحديث (يطلع الله عز وجل إلى خلقه ليلة النصف من شعبان فيغفر لعباده إلا لإثنين:

مشاحن، وقاتل نفس) كما رواه الإمام أحمد في “المسند” من حديث عبدالله بن عمرو بسند صحيح بشواهده كما قال المحققون في طبعة مؤسسة الرسالة، ورواه أيضا الطبراني في “المعجم” بسند صحيح عن معاذ بن جبل رضي الله عنه مرفوعا، ولكنه قال: (إلا لمشرك أو مشاحن) قال الهيثمي: رجاله ثقات.

ودلالة الحديث ظاهرة على أن لهذه الليلة مزية فضل ورحمة ومغفرة، فمن تعرض لهذا الفضل بالصلاة والذكر والدعاء رُجي أن ينال من تلك النفحات المباركة، كما أن قيام الليل عبادة مستحبة في كل الليالي، ومنها هذه الليلة.

ويقول ابن حجر الهيتمي رحمه الله: “لهذه الليلة -يعني النصف من شعبان- فضل، يقع فيها مغفرة مخصوصة واستجابة مخصوصة” “الفتاوى الفقهية الكبرى”.

تنبيه مهم:
ننبه هنا إلى حكمين مهمين نص عليهما كثير من العلماء:
أولا: استحباب إحياء ليلة النصف من شعبان بالصلاة إنما يكون فرادى، وليس جماعة، لا في المسجد ولا في غير المسجد، وإنما بالقيام الفردي بين العبد وربه. ولذلك نص الفقهاء على كراهة إحيائها جماعة، وجدنا ذلك لدى جميع السادة الفقهاء من المذاهب الأربعة.

ثانيا: لا يجوز تخصيص هيئة خاصة للصلاة ليلة النصف من شعبان، بما اشتهر عند بعض الناس باسم “الصلاة الألفية”، وهي مائة ركعة يقرأ في كل ركعة بعد الفاتحة سورة الإخلاص عشر مرات، فهذه الصلاة أيضا غير مشروعة، وأنكرها العلماء، ولا يجوز نسبتها إلى الدين، وإنما يصلي المسلم وحده ما تيسر له، ويحرص على كثرة الدعاء وسؤال الله الحاجات.

قال النووي: “الصلاة المعروفة بصلاة الرغائب وصلاة ليلة نصف شعبان مائة ركعة، وهاتان الصلاتان بدعتان ومنكران قبيحتان، ولا يغتر بذكرهما في كتاب قوت القلوب وإحياء علوم الدين، ولا بالحديث المذكور فيهما فإن كل ذلك باطل، ولا يغتر ببعض من اشتبه عليه حكمهما من الأئمة فصنف ورقات في استحبابهما؛ فإنه غالط في ذلك” المجموع شرح المهذب. والله أعلم

[email protected]

شاهد أيضاً

اجتماعات سيادية مع جبريل ومناوي

ببساطة

إبراهيم عثمان على الذين أيَّدوا قناعةً، أو صمتوا تواطؤاً، أو تفهَّموا محاباةً، أو عذروا تنزُّلاً، …