ما معنى أن المرأة ناقصة عقل ودين؟!

بقلم: عادل عسوم

يخطئ البعض عندما يتهمون الإسلام بانتقاص قدرات المرأة العقلية وذكائها بحسبانها أقل درجة عن الرجل،

وهم في ذلك يستشهدون بحديث ورد في الصحيحين ويدّعون بأنه يقرر ذلك، فما هو ذاك الحديث؟
وهل بالفعل تقل المرأة عن الرجل في قدراتها العقلية وذكائها؟
وهل حقا وصف نبينا صلى الله عيه وسلم المرأة بذلك؟
وماهو المراد من الحديث؟
لنقرأ الحديث:

روى الإمام مسلم رحمه الله في صحيحه في باب الإيمان، عن عبدالله بن عمر رضي الله عنه، قال أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

(يا مَعْشَرَ النِّساءِ، تَصَدَّقْنَ وأَكْثِرْنَ الاسْتِغْفارَ، فإنِّي رَأَيْتُكُنَّ أكْثَرَ أهْلِ النَّارِ فَقالتِ امْرَأَةٌ منهنَّ جَزْلَةٌ: وما لنا يا رَسولَ اللهِ، أكْثَرُ أهْلِ النَّارِ؟ قالَ: تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وتَكْفُرْنَ العَشِيرَ، وما رَأَيْتُ مِن ناقِصاتِ عَقْلٍ ودِينٍ أغْلَبَ لِذِي لُبٍّ مِنْكُنَّ قالَتْ: يا رَسولَ اللهِ، وما نُقْصانُ العَقْلِ والدِّينِ؟ قالَ: أمَّا نُقْصانُ العَقْلِ: فَشَهادَةُ امْرَأَتَيْنِ تَعْدِلُ شَهادَةَ رَجُلٍ فَهذا نُقْصانُ العَقْلِ، وتَمْكُثُ اللَّيالِيَ ما تُصَلِّي، وتُفْطِرُ في رَمَضانَ فَهذا نُقْصانُ الدِّينِ).

وقفات مع الحديث:
مامعنى الجَزْلة؟
ورد في المعجم الوسيط:
جَزُلَ اللفظُ: استحكمت قوَّتُه.
وفلانٌ صار ذا رأي جيِّد قويّ محكم، يقال جَزُل رأيه؛ فهو جَزْل.
إنتهى.

وبالتالي فإن لفظ (امرأة جَزْلة) يعني انها ذات عقل ورأي ووقار.
ومعنى تَكْفُرْنَ العشير: أي تُنكرن حق الزوج.
وهذا الحديث لا يمكن فهمه بمعزل عن آية الدَّيْن التي تتضمن نصاب الشهادة وذلك في قوله تعالى {… واستَشْهدوا شهيدين من رِجالِكم فإن لم يكونا رَجُلَيْن فرَجُلٌ وامرأتان مِمَّن تَرضَوْن من الشُّهداء أنْ تَضِلَّ إحداهما فَتُذَكِّرَ إحداهما الأخرى…} البقرة 282.
والفهم الخاطئ والمتناقض للحديث يكمن في السؤال:

هل المقصود من قوله صلى الله عليه وسلم وما رأيت من ناقصات عقل، بأن النساء ناقصات عقل؟ وأن نقص العقل هو نقص في القدرات العقلية للتفكير والذكاء؟!

لو تدبّرنا الحديث لوجدنا هذا الفهم يتناقض مع واقعه ومتنه وذلك للآتي:
لقد ذكر الحديث بأن امرأة منهن (جزلة) قد ناقشت الرسول صلى الله عليه وسلم.
والجزلة لغة هي ذات العقل والرأي والوقار!
فكيف تكون هذه ناقصة عقل ثم تكون ذات عقل ووقار معا؟!
هل يستقيم المعنى بذلك؟!

ثم إن نبينا صلى الله عليه وسلم قال ماقال وهو يتحدث من (قدرات) النساء، إذ الواحدة منهن تغلب (ذا اللب) أي الرجل شديد الذكاء!. فكيف يستقيم أن تغلب ناقصة العقل رجلاً ذي لبٍّ شديد الذكاء؟!

أمر آخر، وهو أن هذا الخطاب موجّه إلى نساء مسلمات، وهو خطاب يتعلق بأحكام إسلامية منها نصاب الشهادة والصلاة والصوم، فهل يعقل لو أن امرأة (ذكية وذات قدرات عقلية مشهودة) قد هداها الله وأسلمت، هل تصبح بعد أسلامها ناقصة عقل؟!.

هذا الفهم الخاطئ يحصر العقل في القدرات العقلية، ويختزل المراد من الحديث دونما تدبر لباقي مفرداته، ودونما اطّلاع على الآية الكريمة،
فالحديث يصرح بأن النساء (ناقصات عقل)، ولكنه يعلل نقصان العقل عند النساء بكون شهادة امرأتين تعدل شهادة رجل واحد، والآية تعلل ذلك بـ(الضلال والتذكير)، ولم تصرح الآية مطلقا بأن النساء ناقصات عقل ولا أن الحاجة إلى نصاب الشهادة هذا مرده أن تفكير المرأة وقدراتها وذكاءها أقل من تفكير وقدرات وذكاء الرجل.

فما هو التفكير؟
وما هو العقل؟

التفكير: (كما يعرفه علم النفس)؛ هو عملية ذهنية يتفاعل فيها الإدراك الحِسّي مع الخبرة والذكاء لتحقيق هدف، ويحصل بدوافع، وفي غياب الموانع، حيث يتكون الإدراك الحسي من الإحساس بالواقع والانتباه إليه.

والخبرة هي ما اكتسبه الإنسان من معلومات عن الواقع ومعايشته له، وما اكتسبه من أدوات التفكير وأساليبه.

أما الذكاء: فهو عبارة عن القدرات الذهنية الأساسية التي يتمتع بها الناس بدرجات متفاوتة.
والتفكير يحتاج إلى دافع يدفعه، ولا بد من إزالة العقبات التي تؤثر فيه وتعصم المرء من الوقوع في أخطائه بنفسية مؤهلة ومهيأة للقيام به.

وهذا التصور للتفكير يتعلق بالإنسان بغض النظر عن كونه رجلاً أو امرأة، فهو ينطبق على كليهما سواء بسواء، ولا تَدُل معطيات العلم المتعلقة بأبحاث الدماغ والتفكير والتعلم على أيما اختلاف جوهري بين المرأة والرجل من حيث التفكير والتعلم، كما لا تدل على اختلافٍ في قدرات الحواس والذكاء ولا في تركيب الخلايا العصبية المكونة للدماغ ولا في طرق اكتساب المعرفة.

يعني ذلك أن المرأة والرجل متساويان بالفطرة من حيث عملية التفكير أو آلياته، ولا يتميزأحدهما عن الآخر إلا في الفروق الفردية من حيث أن كل منهما ميسر لما خلق له.

إذاً فإن التفكير ليس مجرد قدرات عقلية أو ذكاء، بل هو أوسع من ذلك، أذ تدخل فيه عوامل كثيرة ويمر بمراحل متعددة.

ثم ان العقل في مفهوم القرآن والسنة أوسع من مجرد التفكير، فهو مع ذلك لفتُ انتباهٍ للتفكير من أجل العمل، فلا يكفي أن تفكر، بل لا بد من أن يمتد ذلك إلى التصديق والقناعة وإدراك العواقب، وعلى ذات السياق لنا أن نلاحظ دقة التعبير في الحديث، فهو عبّر ب(ناقصات عقل)، بما يعني أن النقص هو في عوامل أخرى تؤثر في التفكير، وليس في نفس القدرات الفطرية، أي ليس في قدرات الدماغ كما يتوهم أولئك.

ونصوص الكتاب والسنة تعلي دوما من شأن التفكير عند كل من المرأة والرجل، بوصف كليهما (إنسانًا) ولا تمييز بينهما من هذه الناحية على الإطلاق، بل إن كثيرًا من النصوص تظهر وتبين القدرات العقلية العالية لدى النساء في كثير من المواضع والحالات.

والخطاب الإيماني العام في كثير من النصوص يتحدث عن ذكاء النساء وآرائهن السديدة، في مواضع متعددة في العهد النبوي والخلافة الراشدة، ثم ان العلم لم يثبت أيما اختلاف في قدرات النساء العقلية عن قدرات الرجال، ونصوص القرآن والسنة على اجمالها لم تقرر ذلك، ويعنى ذلك جليا أن نقصان العقل المشار إليه بالأحرى ليس في القدرات العقلية.

والتفكير هو عملية معقدة تدخل فيها القدرات العقلية وتدخل فيها عوامل أخرى منها الإدراك الحسي والدوافع والموانع والخبرة.

والآية قد عللت الحاجة إلى نصاب الشهادة المذكور بـ(الضلال والتذكير)، وهذا أمر متعلق بالإدراك الحسي وبالدوافع والموانع، وهذا ينطبق على كل من الرجل والمرأة، لكن للمرأة خصوصيتها إذ تكتنفها حالات، وتتعرض لتغييرات جسدية ونفسية تؤثر على طريقة تفكيرها، وهذا التأثير ينعكس على القرار المتخذ، زد على ذلك ما يكتنف المرأة من عواطف جياشة تفوق مالدى الرجل، وهذا عنصر لا يمكن إغفاله، إذ يمكن أن يؤثر بشكل واضح على القرار كما لو كان الذي ستشهد له المرأة هو ابنها مثلاً.

أما القوامة وقول ربنا جل في علاه: {…الرجال قَوَّامُونَ على النِّساء…} لنفترض أن القوامة كانت أعطيت للمرأة، هل تهب النساء التفوق والإيجاب، أم تعطيهن التعب؟!. يقول الشيخ الشعراوي رحمه الله في ذلك:

الحق سبحانه وتعالى يطلب منا أن نحترم قضية كونية، فهو الخالق الذي أحسن كل شيء خلقه وأوضح القضية الإيمانية {الرجال قَوَّامُونَ عَلَى النسآء} والذي يخالف فيها عليه أن يوضح- إن وجد- ما يؤدي إلى المخالفة، والمرأة التي تخاف من هذه الآية، نجد أنها لو لم ترزق بولد ذكر لغضبت، وإذا سألناها: لماذا إذن؟ تقول: أريد ابناً ليحمينا. كيف وأنت تعارضين في هذا الأمر؟!
ولنفهم ما معنى (قوَّام)، القوَّام هو المبالغ في القيام. وجاء الحق هنا بالقيام الذي فيه تعب، وعندما تقول: فلان يقوم على القوم؛ أي لا يرتاح أبدا.

إذن فلماذا تأخذ {قَوَّامُونَ عَلَى النسآء} على أنه كتم أنفاس؟ لماذا لا تأخذها على أنه سعى في مصالحهن؟ فالرجل مكلف بمهمة القيام على النساء، أي أن يقوم بأداء ما يصلح الأمر.

ونلحظ أنه جل في علاه ساعة التفضيل قال: {الرجال قَوَّامُونَ عَلَى النسآء بِمَا فَضَّلَ الله بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ} لقد جاء ب (بعضهم) لأنه ساعة فضل الرجل لأنه قوّام؛ فإنه فضل المرأة أيضاً لشيء آخر وهو كونها السكن، حين يستريح عندها الرجل وتقوم بمهمتها.

ثم تأتي حيثية القوامة: {وَبِمَآ أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ}. والمال يأتي نتيجة الحركة ونتيجة التعب، فالذي يتعب نقول له: أنت قوّام، إذن فالمرأة يجب أن تفرح بذلك؛ لأنه سبحانه أعطى المشقة وأعطى التعب للجنس المؤهل لذلك.

ولكن مهمتها وإن كانت مهمة عظيمة إلا أنها تتناسب والخصلة المطلوبة أولاً فيها: الرقة والحنان والعطف والوداعة. فلم يأت بمثل هذا ناحية الرجل؛ لأن الكسب لا يريد هذه الأمور، بل يحتاج إلى القوة والعزم والشدة، فقول الله: (قوامون) يعني مبالغين في القيام على أمور النساء.

ويوضح للنساء: لا تذكرن فقط أنها حكاية زوج وزوجة. قدرن أن القيام يكون على أمر البنات والأخوات والأمهات. فلا يصح أن تأخذ (قوام) على أنها السيطرة؛ لأن مهمة القيام جاءت للرجل بمشقة، وهي مهمة صعبة عليه أن يبالغ في القيام على أمر من يتولى شئونهن.

{وَبِمَآ أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ} فإذا كان الزواج متعة للأنثى وللذكر. والاثنان يستمتعان ويريدان استبقاء النوع في الذرية، فما دامت المتعة مشتركة وطلب الذرية أيضا مشتركا، فالتبعات التي تترتب على ذلك لم تقع على كل منهما، ولكنها جاءت على الرجل فقط؛ صداقاً ونفقة حتى ولو كانت المرأة غنية لا يفرض عليها الشرع حتى أن تقرض زوجها!.

[email protected]

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى