البرنامج الوطني الجامع

بقلم: سلمي بابكر
بعد نجاح ثورة ديسمبر العظيمة التي مُهرت بالدماء الغالية، والأرواح العالية، والتي شهِد عليها العالم أجمع و أثنى الكُل على سلميتها وخطّها الواعي، نعيش اليوم صراعاً مُستعِراً بين القوى السياسية السودانية. تزداد شرارته يوماً بعد يوم عقِب كل محاصصة، و عقِب كل خطاب عدائي و إقصائي و تمكيني، و عقِب كل ضجيج إعلامي يُفرّق ولا يجمع، وكأنما نجتر خيباتنا التاريخية وفشلَنا في تحقيق وتعزيز و تأطير الديمقراطية . إن الاستخفاف بالذاكرة التاريخية الوطنية واجترار أخطائنا الأزلية وخصوصاً في غياب الوعي القيَمي والإنساني سيُكبّل مسيرة الديمقراطية و مشوار المدنية.
إن الصراع الدائر الآن في السودان لا يمكن تجنّبه إلا بطرح برنامج وطني جامع يُعزز ويدعم المشاريع الوطنية القومية، لذلك نرى بأن أول خطوات لمّ الشمل هو التفاف القوى السياسية حول قومية القضية، و وقوفها تحت مظلة المصلحة العامة للوطن، و اتفاقها على الآليات الكفيلة بإعادة بناء الوطن و على أهداف البرنامج الوطني الجامع ..
أهم و أول أهداف هذا البرنامج القومي هو نبذ العنف والاعتراف بضرورة تحقيق السلام، و بدء التنمية، و التخطيط للخروج من المآزق الاقتصادية، وقبل كل ذلك إرساء دستور وقانون دائم للبلاد..
قد يُواجه البرنامج الوطني الجامع الكثير من العوائق التي تتعلق بالبُنية السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والأمنية، والتي هي نتاج العشوائية الإدارية في البلاد منذ الاستقلال. كل ذلك يجعل مهمة استعادة الوحدة الوطنية وتحقيق السلام والتنمية مهمة صعبة ولكنها ليست مستحيلة.
اتحاد القوى السياسية و الاجتماعية و الأمنية الآن ضرورة مُلحّة وليس مجرد خيار. ستتحقق هذه الوحدة عندما يُعبّر الشعب عن إرادته الجامعة في لم الشمل و رتق الفتق السياسي والاجتماعي والإداري في الدولة بعيداً عن الاستقطابات الحادة واللهجة العنيفة و الانتماءات المتطرفة..
نحتاج كآلية أولية للشروع في تحقيق هذا البرنامج الوطني الجامع لأن نفتح حواراً سياسياً مُتزِناً ليس فقط حول الجوانب الشكلية و الآلية فقط ، و إنما حول الأهداف والمضمون، بحيث لا يستهدف هذا البرنامج فقط تطبيق أجندة وأهداف البرنامج ووثائقه فحسب، بل يتعداها لمراجعة التجارب السابقة و يستخلص منها الدروس والعِبَر ليتسع وعاءه للتطورات والمستجدات والحقائق الجديدة..
اقتراح مبدئي لأهداف البرنامج الوطني الجامع
* بلوَرة الرؤية الوطنية بعد ثورة ديسمبر المجيدة، وتحديد أهدافها، وتأطير حقوق الشعب بميثاق قومي جديد بصياغة عصرية جامعة متزنة تُحافظ على الحقوق وتُحقق المطالب، وتُتيح الفرصة لكل القوى السياسية للعمل والتأثير الإيجابي ..
* الاتفاق على كل الاستراتيجيات السياسية (حكومة ومعارضة) القادرة على الحفاظ على قضايا الوطن، و إنجاز المكاسب وتوظيف الفُرَص.
* الاتفاق على أُسس المشاركة بين مختلف ألوان الطيف السياسي والاجتماعي السوداني. اتفاقاً يقوم على مبدأ الشراكة في الوطن الواحد وتقديم المصلحة العُليا بعيداً عن تغليب الانتماءات والذوات.
* وضع خُطط و آليات لتغيير شكل السُلطة و طبيعتها و التزاماتها، كخطوة أولى للتحول الديمقراطي و التخلُّص من القيود المجحفة، وخلق نظام حكم فيدرالي يُخرج الوطن من غياهب التخلف وينقل الهامش من التقوقع والمرارة إلى التنمية والحداثة والسلام.
* الدعوة لمؤتمر دستوري جامع يُحقق التعافي السياسي، و يُرسّخ السلم الاجتماعي، و يرسم ملامح الحكم والدولة ويضبط قوانين الأحزاب و الانتخابات لنعبُر بعد الفترة الانتقالية للتحول الديمقراطي المنشود والدائم.
* الدعوة لمؤتمر اقتصادي يُعيد النظر في سياساتنا الاقتصادية و يعمل على موازنتها لتستجيب للأولويات والمصالح الشعبية، ويُحدث انفراج معيشي مُستغلّاً مواردنا الداخلية المتاحة، فاتحاً الباب لاستثمارات خارجية تؤطَّر بقوانين تخدم الصالح الوطني والتنموي بالمقام الأول.
* دعم الحكومة القومية و إرفادها بالكفاءات الوطنية في كافة المستويات..
