الأحد 23/01/29

فهم مغاير لحاملي العرش من الملائكة

عادل عسوم يكتب: خواطر في رحاب سورة البقرة

يقول الله تعالى في سورة البقرة:
{هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} 210

ويقول جل في علاه مفصلا المشهد أكثر:
{وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ۖ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} الزمر 75

ويقول سبحانه:
{وَالْمَلَكُ عَلَىٰ أَرْجَائِهَا ۚ وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثمانية} الحاقة 17.

في البدء يحسن بي استعراض ما قاله مجيزو التفسير العلمي للقرآن وهم كثرة من العلماء، منهم الإمام محمد عبده، وتلميذه الشيخ محمد رشيد رضا، والشيخ عبد الحميد بن باديس، والشيخ محمد أبو زهرة، ومحدث المغرب أبو الفيض أحمد بن صديق الغماري، ونستطيع أن نعد منهم أيضا الشيخ محمد الأمين الشنقيطي صاحب أضوء البيان في تفسير القرآن بالقرآن.

هؤلاء يتبنون التفسير العلمي للقرآن، ويضعون له الحدود التي تسد الباب أمام الأدعياء ممن تختلط عليهم الأمور فيخرجون الايات الكريمات من مضامينها وتنأى عليهم مرادات الله،

ومن هذه الحدود:
1- ضرورة التقيد بما تدل عليه اللغة العربية، فلا بد من:

أ) أن تراعى معاني المفردات كما كانت في اللغة إبان نزول الوحي.
ب) أن تراعى القواعد النحوية ودلالاتها.
ج) أن تراعى القواعد البلاغية ودلالاتها. خصوصاً قاعدة أن لا يخرج اللفظ من الحقيقة إلى المجاز إلا بقرينة كافية.

2- البعد عن التأويل في بيان إعجاز القرآن العلمي.
3- أن لا تجعل حقائق القرآن موضع نظر، بل تجعل هي الأصل: فما وافقها قبل وما عارضها رفض.
4- أن لا يفسر القرآن إلا باليقين الثابت من العلم لا بالفروض والنظريات التي لا تزال موضع فحص وتمحيص. أما الحدسيات والظنيات فلا يجوز أن يفسر بها القرآن، لأنها عرضة للتصحيح والتعديل إن لم تكن للإبطال في أي وقت.
وبالطبع هناك من لم يجز التفسير العلمي للقرآن.
إنتهى.

لنأت إلى الحديث عن الآيات الكريمة موضوع خاطرة اليوم:

يقول البغوي رحمه الله في تفسير الآية الأولى وهي الآية 210 من سورة البقرة:
قوله تعالى (هل ينظرون) أي هل ينظر التاركون الدخول في السلم والمتبعون خطوات الشيطان يقال: نظرته وانتظرته بمعنى واحد فإذا كان النظر مقرونا بذكر الله أو بذكر الوجه أو إلى لم يكن إلا بمعنى الرؤية (إلا أن يأتيهم الله في ظلل) جمع ظلة (من الغمام) السحاب الأبيض الرقيق سمي غماما لأنه يغم أي يستر.

وقال مجاهد: هو غير السحاب ولم يكن إلا لبني إسرائيل في تيههم: قال مقاتل: كهيئة الضباب أبيض قال الحسن: في سترة من الغمام فلا ينظر إليه أهل الأرض والملائكة، والأولى في هذه الآية وما شاكلها أن يؤمن الإنسان بظاهرها ويكل علمها إلى الله تعالى ويعتقد أن الله عز اسمه منزه عن سمات الحدث على ذلك مضت أئمة السلف وعلماء السنة.

ويقول جل في علاه في الآية السابعة من سورة غافر:
{الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ}.

ورد في تفسير ابن كثير رحمه الله:
(يخبر تعالى عن الملائكة المقربين من حملة العرش الأربعة، ومن حوله الملائكة من الكروبيين).
ثم يقول الحق جل في علاه:
{وَالْمَلَكُ عَلَىٰ أَرْجَائِهَا ۚ وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ} الحاقة 17

هذه الآية الكريمة وماسبقتها تتحدث عن أهوال يوم القيامة، وأول ذلك نفخة الفزع، ثم يعقبها نفخة الصعق، حين يصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله، ثم بعدها نفخة القيام لرب العالمين والبعث والنشور.

ثم أخبر الله جل في علاه عن تبدل الأرض، وانشقاق السماء، وأخبر سبحانه بأن الملائكة تكون على أرجاء السماء، ثم قال: {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ}.

تفيد جل التفاسير -إن لم يكن كلها- بأن الثمانية المذكورين هم من الملائكة، لكنهم (ملائكة بمواصفات مختلفة) كما ورد في هذا الحديث:
قال ابن زيد في قوله: {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ}

قال: ثمانية أملاك، وقال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يَحْمِلُهُ اليَوْمَ أرْبَعَةٌ، وَيَوْم القِيامَةِ ثَمَانِيَةٌ”، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “إنَّ أقْدامَهُمْ لَفِي الأرْضِ السَّابِعَةِ، وَإنَّ مَناكِبَهُمْ لخَارِجَةٌ مِنَ السَّمَاوَاتِ عَلَيْها الْعَرْشُ”.

قال ابن زيد: الأربعة، قال: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “لَمَّا خَلَقَهُمُ اللهُ قالَ: تَدْرُون لِمَ خَلَقْتُكُمْ؟ قالُوا: خَلَقْتَنا رَبَّنا لِمَا تَشاءُ، قالَ لَهُمْ: تَحْمِلُونَ عَرْشِي، ثُمَّ قالَ: سَلُوني مِنَ القُوَّةِ ما شئْتُمْ أجْعَلْها فِيكُمْ، فَقالَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ: قَدْ كانَ عَرْشُ رَبِّنا على المَاءِ، فاجْعل فيَّ قُوَّةَ المَاءِ، قالَ: قَدْ جَعَلْتُ فِيكَ قُوَّةَ المَاءِ؛ وقال آخرُ: اجْعَل فيَّ قُوَّةَ السَّمَاوَاتِ، قالَ: قَدْ جَعَلْتُ فيك قُوَّةَ السَّمَاوَاتِ.

وقالَ آخَرُ: اجْعَل فيَّ قُوَّةَ الأرْضِ، قالَ: قَدْ جَعَلْتُ فِيكَ قُوَّةَ الأرْضِ والجِبالِ؛ وقالَ آخَرُ: اجْعَلْ فِيَّ قُوَّةَ الرِّياحِ، قالَ: قَدْ جَعَلْتُ فِيكَ قُوَّةَ الرِّياح؛ ثُمَّ قال: احْمِلُوا، فَوَضَعُوا العَرْش على كَوَاهِلِهِمْ، فَلَمْ يَزُولُوا؛ قالَ: فَجاءَ عِلْمٌ آخَرُ، وإنَّمَا كانَ عِلْمُهُمُ الَّذِي سأَلُوهُ القُوَّةَ، فَقالَ لَهُمْ: قُولُوا: لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إلا بالله، فقالوا: لا حَوْلَ وَلا قوَّةَ إلا بالله، فَجَعَلَ اللهُ فِيهِمْ مِنْ الْحَوْلِ والقُوَّةِ ما لَمْ يَبْلُغْهُ عِلْمُهُمْ، فَحَمَلُوا”
إنتهى الحديث.

وقد قال ابن تيمية رحمه الله:
“وعلى أنه يوم القيامة يحمله ثمانية، إما ثمانية أملاك، وإما ثمانية أصناف وصنوف”.
قال القاسمي رحمه الله، بعد حكاية الخلاف في ذلك:
“ومثله، من الغيوب التي يؤمن بها، ولا يجب اكتناهها.
إنتهى.

مما سبق فإني أجد بأن تفسير الثمانية الحاملة لعرش الرحمن إنما تعني (الأبعاد) التي يمكن أن يتحرك خلالها جسم ما.

والمعلوم الآن نتاج نظرية انشتاين أن الأبعاد هي أربعة، وهي الأبعاد المكانية (أمام/خلف،
ويمين/شمال، وأعلى/أسفل) وأضاف إليها الزمن، حيث قال اينشتاين بأن الزمن بُعد مستقل في الفضاء، لكنه ليس بعدا مكانيا، فالأحداث تحصل في الزمان في محور (ماضي/مستقبل)،.

كما أننا حين نحلل المتجهات في (الزمكان) رباعي الأبعاد فإننا نأخذ له أربع مركبات تمثل الأتجاهات في الأبعاد المكانية والبعد الزمني (ct,X1,X2,X3)
وفي عام 1919 اقترح تيودور كالوزا من جامعة ننغيسبيرغ فكرة ثورية، وهي أن عالمنا قد يحتوي على أبعاد أكثر من الأبعاد الزمكانية الأربعة.

وأصبح العلماء يطلقون على الإطار النظري الذي يقترح الأبعاد الإضافية (نظرية كالوزا-كلاين). والتعمق أكثر من هذا في موضوع الأبعاد يتطلب الدخول إلى نظرية الأوتار، وهذا يجعل الأمور غير مؤكدة حتى الآن للأسف.

واقترح رواد نظرية إضافية أسموها (نظرية الأوتار) وهم غاري هيروبتس وأندر سترومنغر من جامعة كاليفورنيا والعالِم الفيزيائي إدروارد ويتن أن الأبعاد الإضافية لا تتجعد بأي شكل بل هناك أشكال معينة تتجعد خلالها تسمى أشكال أو فضاءات (كالابي-ياو/Calabi-Yau).

كما تقترح نظرية الأوتار وجود ستة أبعاد مكانية متجعدة تتجعد بأحد أشكال كالابي-ياو تتذبذب خلالها الأوتار المقترحة، المشكلة أن أشكال كالابي-ياو كثيرة ولا يستطيع العلماء الجزم بأن أحدها هو الشكل الصحيح وهذه هي المشكلة الكبرى التي تعانيها نظرية الأوتار (مع وجود الكثير من المشاكل العويصة الأخرى).

ونظريا وبالاعتماد على فرضية الأبعاد المتجعدة في فضاءات كلابي-ياو فأنت حين تحرك يدك أو تتحرك أنت في الأبعاد المكانية المعروفة فأنت تتحرك كذلك في الأبعاد المتجعدة ولكنك لا تحس بذلك بسبب صغر تلك الأبعاد وتاثيراتها على الأشياء في نطاقها المتناه في الصغر.

وبذلك فإن حركة/ حمل عرش الرحمن من خلال وصف المشهد (المهيب الرهيب) في سورة الحاقة، أجده يدل على حركة تتجاوز الشكل المألوف المنبني على الشكل الحركي الرباعي الذي نعلمه الآن، أو أن واقع الحال حينها – وقد تغير حال الحياة الدنيا وما فيها من محددات ومساطر، إلى شكل جديد لايعلم كنهه وطبيعته إلا الله!.

وهذا هو المشهد العجيب!:
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
{فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (13) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (14) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (15) وَانشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (16) وَالْمَلَكُ عَلَىٰ أَرْجَائِهَا ۚ وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (17) يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ (18)}.

فالآيات الكريمات تصف مشهدا بعينه يتحرك أمام بصر المشاهد، وهي حركة حري بها أن تتناسب مع عظمة المشهد وعظمة عرش الرحمن، فبالتالي فإن المحددات لها قمن بها أن تكون بغير الذي اعتادته الخلائق في الحياة الدنيا.

أسأل الله الرحمن الرحيم أن يلهمني واياكم الهداية والصواب والاخبات إليه، واغفر لنا اللهم جهرنا وما أخفينا، إنك ياربي ولي ذلك والقادر عليه.

(وإلى المقال/الخاطرة السابعة عشر ان شاء الله).

شاهد أيضاً

اجتماعات سيادية مع جبريل ومناوي

ببساطة

إبراهيم عثمان على الذين أيَّدوا قناعةً، أو صمتوا تواطؤاً، أو تفهَّموا محاباةً، أو عذروا تنزُّلاً، …