السبت 23/01/28

العلمانية من التطمين المؤقت إلى الاختيار الدائم!

بقلم: إبراهيم عثمان

بين الربا والخمور

من أكبر المعضلات التي تواجه أي جماعة أن يكون مشروعها شاذاً ومخجلاً، مصدر القلق لا الإلهام، موهن العزائم لا مشعل الحماس، يحتاج إلى التقية لا الوضوح، الحِيَل لا الإقناع، ومخادعة الوجدان لا مخاطبته.

وهذه هي معضلة قحت مع العلمانية، وسوف تدفن رأسها في الرمال إن لم تدخلها ضمن مراجعاتها، وتقدِّم اعتذاراً خاصاً جهيراً عن تلاعبها بالشعب في موضوع العلمانية.

ففي أمر بخطورة العلمانية لا مجال للانتصارات الصامتة، فرسائل كثيرة ليست في صالح قحت سوف تُرسَل شاءت أم أبت.

والوعي الجمعي سوف يستلمها ويحكم. وقد زادت قحت طين العلمانية بِلةً بألاعيبها، وأنتجت الكثير من المفارقات :

▪️ أظهروا قناعتهم بعدم شعبية مشروعهم العلماني إلى درجة أن يكون الوعد بعدم تطبيقه هو هديتهم/تطمينهم الأهم للشعب!.

ثم تصرفوا عملياً وفق قناعة مضادة تقول إن الشعب قابل للاستغفال إلى درجة تمكنهم من البدء فور استلام السلطة في تطبيق علمانية كاسحة تضرب عميقاً في كل الاتجاهات دون الحاجة لتقديم أي أعذار لمخالفة الوعد. 

▪️ وفضّلوا التطبيق الصامت على التطبيق مع الدعاية، والتبشير، والدفاع ، لقناعتهم بأن الاحتيال الصامت أجدى من الدعاية والدفاع، هذا رغم إن الصمت يجعل العلمانية مكشوفة أمام الهجمات!!. 

▪️ وتحرجوا من وضع “المكاسب” العلمانية ضمن قائمة الإنجازات، وحتى خالد سلك – الأكثر تطرفاً في العلمانية، والأكثر ثرثرةً، والأجرأ على صدمة الناس – لم يضيفها إلى قائمة إنجازاتهم. 

▪️ نتج عن ذلك المفارقة المضحكة: العلمانية مرفوضة شعبياً إلى درجة أن الدفاع عنها والتبشير بها ووضعها ضمن الإنجازات مغامرة خطرة.

في مقابل : العلمانية ستعمل وتمر عبر غفلة الشعب وعدم انتباهه وعدم حصانته وسهولة تعايشه مع ما يرفض!!. 

▪️ والمفارقة الأخرى الناتجة عن افتراض جدوى التطمين “المؤقت” للذين يطمعون في حكم “دائم” أساسه ذات المشروع الذي “يُبشَّر” الناس بتعطيله أثناء الانتقال!.

متناسين أن التطمين نفسه هو بمثابة انخراط في الدعاية المضادة، وضربٌ من التصويت القحتي الإضطراري ضد العلمانية.

▪️ واعتمدوا على الظن الساذج بأن الناس سينتقلون بسهولة من تصديق الوعد بعدم التطبيق، إلى الغفلة عن التراجع عنه ثم إلى التعود والتقبل بمرور الوقت.

ثم إلى التأييد الكاسح الذي يجعل العلمانية برنامجاً انتخابياً جاذباً ينحاز له الشعب ليكون أساساً لحكم دائم!!. 

▪️ وبدلاً من تقديم الحوافز والمكافآت اللازمة لتسويق العلمانية – لدى من يقبلون هذا النوع من المساومات السيئة – كما هو اللازم لأي مشروع منفر، بدلاً عن هذا، تصرفوا كما لو أن العلمانية هي المشروع الملهم الذي يخاطب الوجدان ويستحق التضحيات، ولذلك طبقوها بالتزامن مع الروشتة الاقتصادية شديدة القسوة!!. 

▪️ وخاب مسعاهم لجلب الحوافز للشعب من الغرب، فقد كانت أقل من أن تغطي على آثار الروشتة القاسية. 

▪️ وقدموا أدلة إضافية لعدم صحة ارتباط التطور بمظاهر العلمنة، فقد كان الجوع يزداد مع زيادة التعريَ

وكان الناتج القومي الإجمالي يتناقص بشدة مع انتشار الخلاعة، وكان الغلاء يطحن الناس مع زيادة تعاطي الخمور، وكان الجنيه يتهاوى مع إقرار الربا … إلخ. 

▪️ ولحرصهم على الخمور هزموا فكرتهم المركزية بخصوص قانون علماني واحد يسري على الجميع مسلمين وغيرهم.

فأبقوا على منعها للمسلمين، وأباحوها بالقانون لغير المسلمين (وعملياً لأنفسهم ولعامة المتعاطين).

وما فعلوا ذلك إلا بسبب خوفهم من ردود الفعل في حالة إباحة الخمور للجميع. 

▪️ وتهربوا من إجابة السؤال: إذا كان هناك إمكانية لمادة قانونية تتعامل مع المواطنين وفق دياناتهم، كالمادة الخاصة بالخمور.

فلماذا لا تكون هذه قاعدة مضطردة تحل مسألة التنوع الديني؟ ذلك لأنهم لا يستطيعون أن يقولوا إن هذا كان استثناءً لمصلحتهم اضطروا إليه اضطراراً . 

▪️ وفرقوا بين الربا والخمور، حيث أباحوا الربا للجميع، بينما قصروا إباحة الخمور على غير المسلمين.

وهذا يدل على سعيهم المستمر لإباحة المحرمات التي تدافع عنها العلمانية، لكن مع درجة من درجات مراعاة الحساسيات، فقد تصرفوا بافتراض أن إباحة الربا أقل استفزازاً للمسلمين!!. 

▪️ وخالفوا الغرب مصدر إلهامهم حين أباحوا الخمور بطريقة عشوائية متخلفة، فلم يصدروا القوانين واللوائح الخاصة بصناعتها وتجارتها واستيرادها وتعاطيها ومواصفاتها.

وتركوا الأمر فوضى، لا لعدم رغبتهم في التنظيم لكن لحرجهم من الخطوات الإضافية، وقناعتهم بأنها ستفضحهم أكثر!!. 

▪️ وفعلوا ذات الشئ مع الإلحاد، إذ لم يكملوا المادة بما يلزم لتنظيم شؤون الملحدين في تعليمهم وسائر شؤونهم.

وقد نتج عن هذا التقصير – الناتج من الخجل لا عدم القناعة – مشكلة الطفل الملحد الذي وجد تضامناً كبيراً من القحاتة والذي كان يدرس مادة التربية الإسلامية التي يرفضها!.

والملحدون الآن، من القحاتة وغيرهم، يتم توزيعهم في الصفوف التي تدرس التربية الإسلامية، ويقبلون ذلك على مضض.

لأنهم لم يملكوا بعد “شجاعة” المطالبة “بحقهم” في الاستثناء من دراسة العلوم الدينية مسيحيةً كانت أو إسلامية!!. 

وبالجملة لم يختلف أداؤهم فيما يخص العلمانية عن جملة أدائهم في الحكم، فقد كانت عناوينه التخبط والاجتهادات الفطيرة.

واستغفال الشعب وخداعه وحتى خيانة العلمانية نفسها، والآن العلمانية أسوأ سمعةً مما كانت عليه قبل حكمهم.

شاهد أيضاً

اجتماعات سيادية مع جبريل ومناوي

ببساطة

إبراهيم عثمان على الذين أيَّدوا قناعةً، أو صمتوا تواطؤاً، أو تفهَّموا محاباةً، أو عذروا تنزُّلاً، …