إبراهيم عثمان يكتب عن الرفاق الجدد

ليس المقصود بالرفاق الجدد الإسلاميين الذين شاركوا في التظاهرات ضد الإنقاذ ويتعرضون الآن للدوس مثلهم مثل عامة الإنقاذيين، وليس المقصود من يعترضون على التوجهات العلمانية الفاقعة لحكومة القحط وينتقدون أداءها فيتعرضون للهجوم، المقصود بالتحديد الإسلاميين الذين اكتمل انسجامهم مع اليسار وأصبحوا في خدمته بالكامل وارتضوا دور محامي الشيطان وأصبحوا يقدمون خدمات “إسلامية” لمشروع العلمنة الشاملة.

هؤلاء الرفاق الجدد هم الأكثر تطرفاً في المواقف، فبينما يتجرأ بعض اليساريين الأصيلين على توجيه بعض الإنتقادات لحكومة القحط فيما يخص كفاءة مسؤوليها، وفيما يخص بعض جوانب الأداء مثل الإلتزام بشعار الحرية، أو التصريحات الماسة بالدين والتي تستفز قطاعات كبيرة من المواطنين، بينما يستطيع بعض اليساريين فعل ذلك، نجد أن الرفاق الجدد لا يستطيعون فعل ذلك، بل يتطوعون للدفاع عن أسوأ ما في حكومة القحط، ولا يظهرون خلفيتهم الإسلامية إلا عندما يستدعونها لتقديم مرافعات “إسلامية” عن التوجهات العلمانية الفاقعة للحكومة.

يدافع الرفاق الأصلاء عن قرار إغلاق إذاعة القرآن، ويخففون من وقع القرار حتى لا يستفزون الشعب، ويلتمسون الأعذار للجنة تجفيف المنابع، ويلمحون إلى أن الإجراء مؤقت، وأن الإذاعة ستعمل قريباً بعد السيطرة عليها بواسطة اليسار، لكن أحد الرفاق الجدد يقدم خدمة “إسلامية” لقرار إيقاف الإذاعة ويستدعي واقعة مسجد الضرار في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ليقول إنها إذاعة ضرار ويطالب بعدم الإكتفاء بإيقافها بل الذهاب إلى “تكسيرها” وكأن مدير الإذاعة هو عامر الراهب، وكأن وجدي صالح هو رسول الله تنزه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه المقارنة.

لا يكتفي الرفاق الجدد بالدفاع عن (كل) سياسات حكومة القحط، بل يضعون مسافة بينهم وبين الإسلاميين الذين كانوا معهم في التظاهرات لكن قحت لم تغفر لهم توجهاتهم الإسلامية التي لم يتنازلوا عنها، وأصبح بعضهم ينتقدون التوجه العلماني الجذري. أصبح الرفاق الجدد يبررون لقحت دوسهم أو يصمتون إذا كان الدوس مما لا يسهل الدفاع عنه . ذلك رغم أنهم كانوا الأقرب إليهم إلى ما قبل تمكن أحزاب الفكة اليسارية.

يعيش الرفاق الجدد هاجس إثبات أنهم قد تخلصوا تماماً من ماضيهم الإسلامي ولذلك لا ينتقدون الحكومة أي انتقاد يأتي من خلفية إسلامية، بل ولا أي شكل من أشكال الانتقاد، ومن كانوا يتطرفون في إنتقاد النظام السابق في كل صغيرة وكبيرة أصبحوا لا يقبلون أي إنتقاد للحكومة مهما كان وجيهاً اللهم إلا إنتقادات الرفاق القدامى، فهذه لا يتصدون لتفنيدها بل يقدمونها كدليل على أن الرفاق يمارسون النقد الذاتي، وهو النقد الذي لا يساهمون هم فيه بأي شكل!

هذا الهاجس الذي يسيطر على عقول الرفاق الجدد جعلهم يتصرفون كطليعة يسارية متقدمة تساهم بأدوار مهمة في توفير علف يومي يساهم في حملة التبليد القحطية، بينما الواقع يثبت أنهم إمعات وليسوا طليعة بأي حال من الأحوال، وإن أرادوا إختبار صحة هذا الزعم فليتجرأوا على إنتقاد الحكومة خاصةً انتقاد بعض قراراتها أو تصريحاتها المتعلقة بالعلمانية.

الرفاق الجدد ليسوا هم الأيتام على موائد اللئام الذين يتعرضون للدوس الآن، لكنهم يحاولون أن يكونوا من اللئام ويتطرفون في إثبات أنهم من أهل المائدة وأنهم الأكثر لئامة بينهم ولا يسلم من لئامتهم حتى الذين تطفلوا على المائدة في وقت سابق، وإثبات ذلك يجبرهم على أن يؤدوا هذا الأداء الذي يجعلهم مسخاً لا يحترمه الرفاق القدامى إلا بقدر إتقانهم لدور القوادة الفكرية الذي يمارسونه، وأيما إنحراف عن هذا الدور سيفتح عليهم أبواب الجحيم اليساري، ولذلك لا ينبغي التعامل مع ظاهرة الرفاق الجدد كطاهرة سياسية بل فقط كظاهرة نفسية، وإن استحقت الدراسة العلمية – ولا أظنها تستحق لأن أعدادهم قليلة – فبأدوات علم النفس، ولأجل فهم ظاهرة الشذوذ السياسي ذي الخلفية النفسية.

إبراهيم عثمان

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى