إختطاف الثورة

مثلت ثورة ديسمبر فرصة نادرة لقوى اليسار للصعود إلى سدة الحكم عبر إتفاق ثنائي مع المجلس العسكري، وهي فرصة مؤكد أنها لن تتاح لهم في المستقبل القريب ضمن إنتخابات حرة ونزيهة لأن شعبيتهم ضعيفة جداً في المجتمع السوداني بأسباب معلومة للكل، لذلك كانوا يطالبون في تفاوضهم مع المجلس العسكري بمدة طويلة للفترة الإنتقالية.

بدأت ثورة ديسمبر بعفوية في مدينة عطبرة ودون أي قيادة في يومها الأول، ثم رأينا في اليوم الثاني شباب اليسار “بشنط ظهورهم” المعروفة، “وشعورهم المنفوشة” وهم يقودون المظاهرات ويحددون خطوط سيرها، بينما تكفلن شابات اليسار بتحدد زمنها عبر إطلاقهن “للزغاريد” في الأسواق والتجمعات المكتظة لحشد أكبر عدد ممكن من المواطنين.

من الواضح تماماً أن قوى اليسار قد إختطفت الثورة منذ بدايتها، ويرجع ذلك لعدم وجود الأحزاب التقليدية الكبيرة في صف المعارضة الفعلية لنظام المؤتمر الوطني بعد إستيعاب نجلي المهدي والميرغني ضمن المستشارين لعمر البشير، كما حاول الصادق المهدي كسر مجاديف الثوار بوصف تحركهم الشعبي بـ”دخان المرقة”، وهو تشبيه أقل مايقال عنه أنه “عيب”، بينما آثر محمد عثمان الميرغني الصمت.

بعد أن إستحوزت قوى اليسار ممثلة في قوى الحرية والتغيير “قحت” وتجمع المهنيين “تجم” على السلطة مناصفة مع العسكر، تناست من ضحوا بأنفسهم فداء لخلع نظام المؤتمر الوطني ، وبدأنا نشاهد إعتداءات المواطنين المغبونين على قيادات “قحت”،  لفظياً وبدنيا، بعد أن شعروا بأنهم قد خدعوا وتم إستخدامهم كوسيلة لتحقيق أطماع تلك القوى في الجلوس على سدة الحكم “بوسيلة باردة” دون أن يتم تسجيل تلك القيادات او أي أبناءهم في دفاتر القتلى او الجرحى او المفقودين.

لن نستغرب إذا خرج الشعب السوداني في المليونية المعلنة يوم 21 إكتوبر مطالبين بتصحيح مسار الثورة، وتحقيق بعض أهدافها المتمثلة في توفير الغذاء والدواء والوقود، بعد أن إنشغلت “قحت” بتقسيم كعكة السلطة بينها وبين “تجم”، بينما يحاول بعض “المغرر بهم” ثني الناس عن مجرد الإنتقاد بتبرير فطير جدا بقولهم “هي الحكومة متين كونوها ؟”.. و”بالله خلو الحكومة تشتغل”!!

يجب على المكون المدني في مجلس السيادة ، ورئيس مجلس الوزراء السعي لتحقيق أهم مطالب الثورة وهو محاكمة جميع من تورط في قتل الشباب والشابات منذ بداية الثورة وحتى يوم فض الإعتصام أمام القيادة المسلحة، فإن أهاليهم يتوجعون وهم يعدون الأيام والليالي إنتظاراً للقصاص العادل، فلا بيانات مشوهة تجدي، ولا أناشيد وهتافات تبرد قلوبهم ، ولا زيارات تمسح دموعهم.

التعليقات مغلقة.