الجمعة 23/01/27

عبدالله ابوعلامة يكتب: التطبيع المستحيل

لقاء عنتيبي .. التطبيع المستحيل

قال المحجوب : دلفت الى الديوان الملكي ، فاستقبلني رشاد فرعون ، مستشار الملك فيصل، وأخبرني أن الملك ينتظرني. دخلت على الملك، فصافحني في ود حميم. وجلسنا. قلت بعد فترة صمت قصير : جئتك يا جلالة الملك بناء على وعدك. قال: أبشر، سنسدد ما وعدنا به من الدعم المالي لدول المواجهة ، لكن ليست لدينا سفن لنقل جنود الجيش المصري من اليمن. قلت : اذن سأرفض الأمر كله.ضحك الملك قائلا : بل سنفي بالأمرين .

وأشار لرشاد فرعون الذي كان ينتظر واقفا، فأومأ الرجل ايماءة من فهم الأمر وانصرف. قلت : استأذن في الانصراف يا صاحب الجلالة. قال الملك ضاحكا : قدمت مطالب الاخرين، أين مطالبكم انتم ؟ قلت : تريدنا ان نتقاضى الثمن يا صاحب الجلالة ؟ قال : معاذ الله ، ولكن…. وسكت الملك ، كأن لسان حاله يقول : ما رأيته عندكم يحدث عن الحاجة. قلت : يا جلالة الملك ، لسنا في حاجة الان الى مساعدة ، واذا احتجنا فلن نتأخر في اللجوء اليكم . هببت واقفا ، وقام الملك ،تقدمت نحوه ومددت يدي في وقار . أمسك يدي في قوة وهزها طويلا ، فأوحت مسكته القوية وهزته بكلام كثير جدا فهمته.
وللذين يقرأون هذا المشهد من لقاء محمد أحمد المحجوب رئيس الوزراء يومئذ ، والملك فيصل ال سعود ، ملك السعودية يومذاك ، أن يسألوا الاستاذ علي محمد شمو — أطال الله بقاءه — عن الظروف التي انعقد فيها أخطر وأعظم مؤتمر للقمة العربية ، منذ كانت الجامعة العربية ، وحتى يوم الناس هذا . لقد اضطرت الدولة لاستلاف عربات بعض المواطنين الارستقراطيين لتؤمن العدد الكافي من العربات لنقل الملوك والرؤساء والامراء ورؤساء الوفود. والقاعة التي التأمت فيها قمة سادة العرب وقادتهم ، كانت قاعة الجمعية التأسيسية بوسط الخرطوم . وهي قاعة متواضعة ، عتيقة ، بناها الحاكم العام البريطاني بعقلية حكام العهد الفيكتوري ونظرتهم للمستعمرات فيما وراء البحار.

بنيت تلك القاعة الكئيبة لتكون مقرا للمجلس الاستشاري لشمال السودان ، ثم مقرا لخلفه الجمعية التشريعية المقبورة، بسبب مقاطعة الاحزاب لها. والتي قال في حقها الرئيس الازهري : سنقاطعها ولو جاءت مبرأة من كل عيب ! ثم صارت مقرا لأول برلمان منتخب ، ذلك البرلمان الذي قدم فيه النائب دبكة مقترح اعلان الاستقلال من داخل البرلمان . وظلت مقرا للبرلمانات حتى بنيت قاعة البرلمان الحالية على شاطئ النيل في ام درمان ابان العهد المايوي. وهذا المؤتمر العظيم للقمة العربية ظل شجى في حلوق الأوروبيين والأمريكان ، الحاضنة الغربية للكيان الصهيوني المغتصب . وبالمناسبة ، نحن كعادتنا من التواضع ورفض المظاهر — والبوبار — لم نوثق لهذا المؤتمر العظيم ، الذي ان كان قد أكسبنا خوف الغرب وعداوته المرعبة ، فانه قد اكسبنا رضاء الله ثم العروبة ، كما اكسبنا حب واحترام شعوب افريقيا واسيا.

واذا كان بعض الناس من اقرب اشقائنا ، عملوا وما زالوا يدأبون في التعفية على اثار هذا المؤتمر الخطير ، وطمس اثاره ، ومحوه من صفحات التاريخ ، ولكن هيهات هيهات لأن لاءات الخرطوم الثلاثة ستظل شرارات الثورة المتقدة والتي ستحرق المغتصب وأعوانه ، وستجعل من الخرطوم عصية لا على التطبيع فقط ، بل على كل انحناء واذلال الا للكبير المتعال.

شاهد أيضاً

اجتماعات سيادية مع جبريل ومناوي

ببساطة

إبراهيم عثمان على الذين أيَّدوا قناعةً، أو صمتوا تواطؤاً، أو تفهَّموا محاباةً، أو عذروا تنزُّلاً، …