الإثنين 23/01/30

إبراهيم عربي يكتب: «سوق كلولو».. السلام جا! 

ربما تولدت فكرة أسواق السلام لدرء الآثار السالبة (لأسواق السمبك) ، وربما جاءت تماهيا مع الرغبة الجامحة لدي الجميع نحو السلام ، ومنها (سوق السلام في كلولو) في محلية البرام في جنوب كردفان ، ولكنها بلاشك فكرة جيدة ، لاسيما في ولاية ظلت تعاني الحرب (35) عاما وقد ظلت في حربا متصلة منذ (9) سنوات ، ألقت بظلال سالب علي مجملها أرضا ومجتمعا وتنمية وخدمات ومقومات اساسية ومكتسبات أهلها .

علي كل إنها فكرة صائبة جاءت بمبادرة من الإدارة الأهلية ، وقد جاءت تطورا طبيعيا للعلاقات الإجتماعية الممتدة بين المواطنين لدي الطرفين بجنوب كردفان ، وهم أهل لبعضهم البعض وبل أسرة واحدة فرقت بينهم السياسة لتندلع الحرب لتجعل منهم وقودا لها هذا متمرد بالحركة الشعبية وذاك خائن بالمؤتمر الوطني وآخرا عميلا ، فكانت تلك فكرة (اسواق السلام) والتي كان مخطط لها أن تسبقها فكرة مشروع (قري الجوار الآمن) .
وصلنا يوم الجمعة السابع من يناير 2020 (كلولو) باكرا والتي تبعد (45) كيلو متر جنوب كادقلي عبر (السرف ، تكو ، دلوكا) ، عبر ردمية متهالكة أعاقتها الحرب دون أن تكتمل ، جئنا و(نحن رهط من الصحافيين) ، لنقف شهودا علي قصة نموء وتطور السوق في يومه الإسبوعي كيف يبدأ وإلي أين ينتهي ؟!، وجدنا بعضهم قد سبقنا إليه ، ولكننا لم نلبث قليلا حالما جاءت التدفقات تنساب من كادقلي ، فيما تسربل نفر من داخل الجبال بين منعرجات الوديان وسفوح الصخور وحدانا وزرافات فانسابت نحو كلولو منهم من كان راجلا ومنهم مرتحل عبر المواتر والدواب وآخرين علي ظهور الجمال والثيران وبعضهم عبر اللواري والتاتشرات والتكاتك التي كسرت القيود وتجاوزت حدود الممنوع بسماحة السلام إلي (طروجي ، الدار ، التيس ، شات ، اللحيمر ، ابو هشيم وغيرها) .
وليس ذلك فحسب بل وقفنا دون بحث ودون عناء ومشقة أمام مشهد تلقائي يجسد إحدي مكاسب وأهداف سوق السلام ، لقاء جمع بسوق كلولو بين شقيقتين بشقيقيهما بعد (9) سنوات من الفراق ، حيث تعانقت الأجساد وتساقطت الدموع وعلت الأصوات الحناجر فانطلقت في الفضاء الواسع ، فيما انحبس الأنين في الصدور ، إنها مشاهد مؤثرة تحكي عظمة السلام ، وتؤكد جميعها نجاح هذه الأسواق في تحقيق أهدافها ،وأعتقد إذا لم يحقق هذا السوق إلا مثل هذا اللقاء لكفاه نجاحا ، إذ يجتمع علي أرضه كل جمعة أكثر من (الف) شخص من الداخل والخارج معا ومنهم من يجتر شريط الذكريات  .
(السوق قدح النبي) مفردة يطلقها اهلنا البسطاء وقد تحقق ذلك في سوق كلولو للسلام ، حيث جاء إليه التجار من وسط السودان وغربه وشماله وشرقه ومن محليات جنوب كردفان والكل يبيع ويشتري بأريحية والتنافس سيد الموقف وقد إنخفض سعر السكر من (250) جنيه للكيلو في أسواق السمبك إلي (150) جنيه ولا يتجاوز (ربع) البصل (140) جنيه ، كما إنخفض ربع الملح الي (100) جنيه ، فيما ترتفع وتنخفض أسعار الضأن والماعز والبقر مثلما تتذبذب أسعار منتجات الغابات من النبق واللالوب والجنقليس والعرديب وغيرها من الخردوات من الويكة والشطة والمصنوعات اليديوية المختلفة بجانب المأكولات والمشروبات ، علي العموم إنها نجاحات معيشية حققها سوق السلام في كلولو .
ولذلك لم يكن سوق السلام في كلولو مجرد سوق هكذا ، بل نفاجا سلميا متفق عليه من قبل المواطنين ، تقف عليه حكومة ولاية جنوب كردفان وبرعاية مباشرة من قبل واليها المكلف اللواء ركن رشاد عبد الحميد ، فيما تقف عليه عن قرب (لجنة مشتركة) مكونة من (اللجنة الأمنية بالولاية ، لجان المقاومة ، لجنة من الطرف الأخر) والأخيرة قد وصل وفد منها سوق كلولو بضمانات عززت الثقة بين الطرفين لتكتمل المشاورات بينهم بشأن كيفية إدارة وتطوير وترقية هذا النفاج حتي يصبح السلام واقعا رسميا عبر طاولة مفاوضات جوبا ، ولكننا نعيب علي تلكم اللجان توجسها من الإعلام ونؤكد بشدة بان الإعلام شريك اساسي في صناعة السلام في البلاد .
ملاحظاتنا إن سوق كلولو نفاجا مهما للسلام ولابد من ترقيته وتطويره بالخدمات الضرورية لاسيما خدمات (الأمن ، المياه ، الصحة ، إصحاح البيئة) وندعو المنظمات الوطنية والحكومة الولائية والإتحادية إيلائه إهتماما وقيمة حتي يكتمل السلام ، ونحذر في ذات الوقت من المتربصين بالسلام ونطالب عدم التهاون والتفريط الأمني في ظل إنتشار حمل السلاح في السوق ، ونعتقد لابد من ضوابط لوضع السلاح جانبا وأن يكون السوق مكانا منزوعا السلاح ويحرم الدخول إليه مسلحا إلا للسلطات المسؤولة .
رسالتنا لوفدي التفاوض (الحكومة والحلو) في جوبا نرسلها مناشدة من قبل المواطنين بأن أسواق السلام في كل من (كلولو ، دري ، الفرشاية ، الدلنج ، الكرقل ، حجر جواد وغيرها) حققت أغراضها وأهدافها وجعلت السلام والتعايش السلمي واقعا وليس امام الجميع إلا السلام وتوقيع الإتفاق .

شاهد أيضاً

اجتماعات سيادية مع جبريل ومناوي

ببساطة

إبراهيم عثمان على الذين أيَّدوا قناعةً، أو صمتوا تواطؤاً، أو تفهَّموا محاباةً، أو عذروا تنزُّلاً، …